رمضان جريدي العنزي
في زمنٍ تتكاثر فيه المظاهر، وتعلو فيه الضوضاء على حساب الجوهر، يبرز صفوة الأطياب كاستثناءٍ نادر لا يلفت الأنظار بقدر ما يلفت القلوب، ليسوا أولئك الذين يتصدرون المشهد، ولا الذين تُلاحقهم الأضواء، بل هم الذين يمشون بخفةٍ في الحياة، ويتركون أثرًا عميقًا لا يُرى بالعين، بل يُحَسّ في النفوس، هؤلاء تميّزوا بعقولٍ راجحة؛ لا تندفع خلف كل جديد، ولا تنخدع بكل لامع، بل تزن الأمور بميزان الحكمة، وتُدرك أن الحقيقة لا تحتاج إلى صخبٍ لتُثبت وجودها.
نفوسهم صافية، لا تحمل ضغينة، ولا تتغذى على المقارنات، لأنهم أدركوا أن راحة القلب لا تُشترى، بل تُبنى على القناعة ونقاء الداخل، ضمائرهم حيّة، تقودهم حيث يجب، وتردعهم حين يزيغ الطريق، لا يحتاجون إلى رقابةٍ خارجية، فداخلهم يقظٌ بما يكفي ليحفظ توازنهم، وأرواحهم نقيّة، لا تتلوث بسهولة بزيف العالم، ولا تتشكل وفق أهواء الناس، بل تبقى ثابتة على بساطتها، عميقةً في معناها، صفوة الأطياب لا يعرفون انتفاخ الذات؛ لأنهم كلما ازدادوا وعيًا، ازدادوا تواضعًا، لا يتكئون على ألقابٍ، ولا يتزينون بعناوين، ولا يقيسون قيمتهم بعدد المتابعين أو بريق الظهور، هم يدركون أن القيمة الحقيقية لا تُعلَّق على الجدران، ولا تُعرض في واجهات، بل تُترجم في السلوك، وتُرى في المواقف، وفي عالمٍ مفتونٍ بالصور، لا يتعلّقون بفلاشات التصوير، ولا يلهثون خلف الإعجاب اللحظي، يعرفون أن الضوء الحقيقي لا يأتي من الخارج، بل ينبع من الداخل، من صدق النية، وسموّ الخُلق، وصفاء السريرة، لهذا، فإن صفوة الأطياب قد لا يُعرفون كثيرًا، لكنهم يُحترمون عميقًا، وقد لا يُذكرون في العناوين، لكنهم يُخلّدون في القلوب، هم الهدوء وسط الضجيج، والصدق وسط الزيف، والبساطة وسط التكلّف، وفي وجودهم تذكيرٌ دائم بأن الإنسان، في جوهره، لا يُقاس بما يُظهر بل بما يكون، ليس من السهل أن تكون طيباَ في عالم يتقن التزييف، ولا أن تحافظ على نقاء روحك في زمن يكافئ الضجيج أكثر مما يكافئ الصدق، ومع ذلك يظل صفوة الأطياب موجودين كأنهم الشاهد الصامت، على أن الخير لا ينقرض، وأن الصفاء لا يهزم، وأن توارى خلف صخب الحياة، أن صفوة الأطياب في علاقاتهم لا يبحثون عن الكثرة، بل عن الصدق، قد تقل دوائرهم، لكنها عميقة دافئة، خالية من التكلف، يمنحون بلا حساب، لكنهم لا يبتذلون ولا يراؤون ولا ينافقون، وهكذا تبقى صفوة الأطياب تذكيراَ حياَ بأن القيمة الحقيقية للإنسان لا تصنع أمام الكاميرات، بل تبنى في الخفاء، في صدق النينة، ونقاء القلب، وثبات المبدأ.
وفي الختام، ليس المهم أن يراك الناس، بل كيف تكون حين يراك أحد.