د. أزهار بنت محمد الشيبان
غمرتني أستاذتي الفاضلة الدكتورة نورة الشملان بفيض من اللطف أن أهدتني نسخة موقعة بحط يدها من كتاب (النوف). فكان هذا الإهداء بالنسبة إليَّ -لفئة كريمة تستحق الشكر والتقدير، أضفت على القراءة دفئا خاصا ومعنى إنسانيا منذ اللحظة الأولى. إن هذا النوع من الكتب تتجلى في قيمة التوثيق العميل لحياة الشخصيات المهمة التي رحلت، إذ لا يقتصر الأمر على حفظ أحداث مضت ووقائع ولت، بل يتجاوزه إلى استنطاق التجربة، واستخلاص العبر، ونقلها إلى الأجيال القادمة، حتى لا تبقى حياة تلك الشخصيات الاستثنائية حدثا منسيا، بل تغدو ذاكرة معرفية وإنسانية متجددة، كان أصحابها حاضرين لم يغيبوا تماما، بل استقروا في صفحات تحفظ حضورهم، وتمنح القارئ فرصة أن يرى حيواتهم تُبعث من جديد.
لقد سمحت لي هذه البادرة الكريمة من الدكتورة نورة أن أتعرف إلى شخصية صاحبة السمو الملكي الأميرة نوف بنت عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -رحمها الله-، وأنغمس في تفاصيلها، وكنت كما لو أنني أعيد اكتشاف شخصية لا تُقرأ بوصفها سيرة فقط، بل بوصفها تجربة إنسانية كاملة تعبر أمامي في هيئة نص حي.
في البداية، لم التفت إلى صفحة الإهداء على نحو خاص، ومررت بها مروراً عابرا كما يمر القارئ أحيانا على ما يظنه تمهيداً مألوفاً، لكنني بعد أن أنهيت القراءة، عدت إلى نص الإهداء أتأمله من جديد، فإذا به يتبدّى لي على نحو مختلف. وكأن قراءتي للكتاب كانت المفتاح الذي كشف عمق المعنى، عندها شعرت أن الإهداء لا يقول فقط: (إلى كل من عرف صاحبة السمو الملكي الأميرة نوف بنت عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود ومن أحبها) بل يكاد يقول: (إلى كل من عرفها ولم يملك إلا أن يحبها)، حينها أدركت أن المحبة هنا ليست مجرد مجاملة لفظية، بقدر ما هي استجابة صادقة لدماثة خلقها وطيب معشرها وإنسانيتها. هكذا تحوّل الإهداء في نظري من عبارة جامعة إلى شهادة أعمق، مفادها أن هذه الشخصية لم تكن ممن يُعرف فقط، بل ممن يُحبُ بالضرورة. كل كلمة خُطت في هذا الكتاب تشهد للأميرة نوف بدفء القلب، وبياض اليد، ومن هذا الدفء، وذلك البياض مدت يدها بالكرم لكل من حولها، وجعلت العطاء سجية لها، والإيثار خلقها، لا تنتظر من ورائه جزاء ولا شكورا، نبيلة الطبع، جميلة المعشر، تغرس في قلب كل من عرفها -قريباً كان أم بعيداً- ذكرى جميلة لا تزول، أحبت الناس فأحبوها، وأحسنت إليهم فحفظوا لها الإحسان، وبقيت سيرتها بينهم صفحة من نور لا تطويها عتمة الأيام. ومما استوقفني كثيرا في جميع الشهادات التي كتبها أقرباؤها ومحبوها أن الأميرة نوف جمعت بين الحُسنين: العِطر الذكي(1) في حياتها، والذّكِر العَطِر بعد مماتها، فجمعت بين عبير الحياة وعبير الذكرى، وكأن العِطر استعارة دقيقة لروحها وطيب سريرتها، ومن هذه السيرة العطرة بدت الأميرة وجهاً من وجوه النبل الإنساني في كل أبعادها: ابنةً، وأمّاً، وأختاً، وزوجةً، وجدّةً، وصديقةً.
ختاماً أقول: إن الأميرة نوف امرأة لا تختزلها صفة واحدة، بل تتجاوز ملامح الوصف المألوف، واقتبس هنا من كلمات الدكتورة نورة في وصفها للأميرة بأنها: (المرأة القوية بلا قسوة، الرحيمة بلا ضعف، المرحة بلا ابتذال، المتدينة بلا تطرف، الكريمة بلا حدود) هذا النص الفريد لا يصف شخصيتها فحسب، بل يخلد سيرة امرأة استثنائية تستحق أن تُروى وتُحفظ.
رحم الله الأميرة نوف رحمة واسعة، وأفاض عليها من بركات رحمته ومغفرته، وأسكنها فسيح جناته.
** **
- عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود
(1) طيب الرائحة