عبد العزيز الموسى
حين يُذكر علم الأنثروبولوجيا بوصفه علمًا حديثًا نشأ في الجامعات الغربية في القرنين التاسع عشر والعشرين، يغيب عن كثير من النقاشات أن جذوره الفكرية أقدم من ذلك بكثير، وأن الفكر الإسلامي قد أسهم مبكرًا في دراسة الإنسان والمجتمع والثقافة. ويبرز في هذا السياق اسم ابن خلدون، الذي قدَّم في مقدمته الشهيرة واحدة من أعمق المحاولات الفكرية لفهم الاجتماع البشري وتحليل قوانين العمران، وهو ما جعل كثيرًا من الباحثين المعاصرين يعدّونه أحد الآباء المبكرين لعلوم الإنسان.
لم يكن مصطلح الأنثروبولوجيا معروفًا في زمن ابن خلدون، لكن مضمون هذا العلم كان حاضرًا في مشروعه الفكري بوضوح. فقد حاول في مقدمته أن يؤسس علمًا جديدًا سماه «علم العمران البشري»، يعنى بدراسة الاجتماع الإنساني وقوانينه العامة، ويمكّن الباحث من فهم طبيعة المجتمعات وتحولاتها. ويقرر ابن خلدون منذ البداية أن الاجتماع الإنساني ضرورة طبيعية، إذ يقول إن «الإنسان مدني بالطبع»، وهي فكرة تشكِّل اليوم أحد الأسس النظرية للأنثروبولوجيا الاجتماعية التي ترى أن الإنسان لا يمكن فهمه إلا داخل إطار المجتمع الذي يعيش فيه.
انطلق ابن خلدون من هذا المبدأ ليحلل مجموعة من الظواهر الاجتماعية التي تشكِّل جوهر البحث الأنثروبولوجي المعاصر. فقد درس العلاقة بين البداوة والحضارة، ورأى أن البداوة هي الأصل الذي تنشأ منه الحضارة، وأن المجتمعات تمر بمراحل من التحول الاجتماعي والثقافي ترتبط بطبيعة المعاش والاقتصاد. كما قدَّم مفهوم «العصبية» بوصفه الرابطة الاجتماعية التي تمنح الجماعة قدرتها على الدفاع والتنظيم السياسي، وهي فكرة قريبة في مضمونها مما يعرف اليوم في العلوم الاجتماعية بالتضامن الاجتماعي.
لم يكن ابن خلدون مهتمًا فقط بوصف المجتمعات، بل حاول تفسير القوانين التي تحكم تطورها. فهو يربط بين الاقتصاد والثقافة حين يقول إن اختلاف أحوال الناس إنما يرجع إلى اختلاف طرق معاشهم، وهو تحليل يقترب كثيرًا من الدراسات الأنثروبولوجية التي تربط بين البيئة والاقتصاد من جهة، وأنماط الثقافة والسلوك الاجتماعي من جهة أخرى. كما أنه قدَّم نقدًا مبكرًا للكتابة التاريخية القائمة على مجرد النقل، داعيًا إلى اختبار الروايات وفق قوانين الاجتماع البشري، وهو منهج تحليلي يسبق ظهور المناهج الحديثة في العلوم الاجتماعية بقرون.
غير أن هذا الاهتمام بدراسة الإنسان لم يبدأ مع ابن خلدون وحده، بل سبقه عدد من علماء المسلمين الذين دوَّنوا ملاحظات دقيقة عن الشعوب والثقافات المختلفة. فقد قدَّم أبو الريحان البيروني في كتابه عن الهند دراسة مقارنة لثقافة مجتمع آخر بمنهج يقوم على الملاحظة والتحليل، كما سجَّل المسعودي وصفًا واسعًا لعادات الأمم وثقافاتها، بينما جمع الإدريسي بين الجغرافيا والوصف الحضاري للمجتمعات. وتشكِّل هذه الأعمال معًا إرهاصات مبكرة لما أصبح يعرف لاحقًا بالأنثروبولوجيا الثقافية.
وعندما التفت المستشرقون والباحثون الغربيون إلى التراث الإسلامي، وجدوا في مقدمة ابن خلدون نصًا استثنائيًا. فقد وصف أرنولد توينبي هذا العمل بأنه من أعظم ما كُتب في فلسفة التاريخ، بينما رأى فرانز روزنتال أنه يمثِّل محاولة مبكرة لتفسير علمي للمجتمع الإنساني، وأشار إرنست غلنر إلى أن مفهوم العصبية يظل من أكثر المفاهيم تفسيرًا لبنية المجتمعات القبلية. وفي هذا السياق، يمكن ملاحظة التقاطعات بين فكر ابن خلدون ونظريات لاحقة عند إميل دوركهايم في التضامن الاجتماعي، وماكس فيبر في تحليل السلطة والشرعية.
غير أن المفارقة اللافتة لا تكمن فقط في ريادة ابن خلدون، بل في الفجوة التي نشأت لاحقًا بين هذا الإرث الفكري العميق وبين واقع المؤسسات الأكاديمية في العالم العربي، بما في ذلك الجامعات السعودية. فعلى الرغم من أن البيئة الاجتماعية والثقافية في المملكة تُعد من أغنى البيئات بالدراسات الأنثروبولوجية الممكنة، فإن هذا التخصص ظل لعقود طويلة هامشيًا أو غائبًا عن كثير من الجامعات، مقارنة بتخصصات أخرى حظيت بأولوية أكبر. وكان من الممكن، لو أُحسن استثمار هذا الإرث منذ وقت مبكر، أن تتشكَّل مدارس علمية سعودية رائدة في الأنثروبولوجيا، تدرس المجتمع المحلي بعمق، وتُسهم في الإنتاج المعرفي العالمي من موقع أصيل لا تابع. هذا التأخر لا ينبغي قراءته بوصفه إخفاقًا بقدر ما يمكن اعتباره فرصة مؤجلة، إذ إن التحولات التي تشهدها المملكة اليوم تفتح أفقًا جديدًا لإعادة بناء هذا الحقل المعرفي على أسس حديثة. وهنا تبرز أهمية رؤية السعودية 2030 التي لم تنظر إلى التنمية بوصفها مشروعًا اقتصاديًا فحسب، بل باعتبارها مشروعًا ثقافيًا وإنسانيًا شاملًا، يتطلب فهمًا عميقًا للمجتمع وتحولاته.
وفي هذا الإطار جاء قرار مجلس الوزراء السعودي بإنشاء المعهد الملكي للأنثروبولوجيا، بوصفه خطوة نوعية يمكن أن تعيد الاعتبار لعلوم الإنسان في السياق الأكاديمي السعودي. ولا تكمن أهمية هذا المعهد في كونه مؤسسة بحثية فحسب، بل في قدرته على تحفيز الجامعات السعودية للدخول في مجال الأنثروبولوجيا بجدية أكبر، سواء عبر إنشاء أقسام متخصصة، أو تطوير برامج دراسات عليا، أو دعم البحوث الميدانية.
ومن هنا يمكن أن يتحول المعهد إلى نقطة ارتكاز لإشعال روح المنافسة العلمية بين الجامعات، ولكنها منافسة إيجابية تقوم على التكامل لا التنازع. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في وجود مؤسسة واحدة متميزة، بل في بناء منظومة معرفية متكاملة تتعاون فيها الجامعات والمراكز البحثية لإنتاج معرفة عميقة بالمجتمع السعودي، تجمع بين الدقة العلمية والوعي الثقافي.
إن تحقيق هذا التكامل من شأنه أن يسهم في بناء مدرسة سعودية في الأنثروبولوجيا، تستلهم إرث ابن خلدون، وتستفيد من مناهج العلوم الحديثة، وتقدم نموذجًا بحثيًا قادرًا على تفسير التحولات الاجتماعية المتسارعة في المملكة. كما أنه يفتح المجال أمام توطين المعرفة بدل استيرادها، بحيث يصبح الباحث السعودي منتجًا للنظرية لا مجرد مستهلك لها.
في النهاية، لا يبدو الخط الممتد من «العمران البشري» عند ابن خلدون إلى تأسيس المعهد الملكي للأنثروبولوجيا خطًا منقطعًا، بل مسارًا تاريخيًا يعود اليوم ليكتمل. وإذا كانت الفرصة قد تأخرت عقودًا، فإن اللحظة الراهنة تبدو أكثر نضجًا لاستدراكها، ليس فقط عبر إنشاء المؤسسات، بل عبر بناء وعي أكاديمي جديد يدرك أن فهم الإنسان هو المدخل الحقيقي لكل تنمية. وفي هذا الوعي تحديدًا يكمن الأمل في أن تتحول الأنثروبولوجيا من علمٍ غائب إلى ركيزة أساسية في تحقيق طموحات المملكة في القرن الحادي والعشرين.
إلى اللقاء.