زياد الجارد
في مقالي السابق تناولت الكيفية التي شكّلت رحلة الشتاء والصيف، وأنها كانت نموذجًا مبكرًا لنظام لوجستي بسيط، واليوم تتكرر الفكرة نفسها، ولكن بأدوات أكثر تطورًا واتساعًا، وتشهد المنظومة اللوجستية في المملكة تطورًا ملحوظًا، تبرز معها الفرص لتعزيز دورها في سلاسل الإمداد العالمية. ومع ذلك، فإن نجاح الموانئ لا يُبنى على موقعها وحده.
فالموانئ مهما كان موقعها استراتيجيًا، لا تتحول إلى مراكز فاعلة في سلاسل الإمداد العالمية إلا عندما تعمل ضمن منظومة متكاملة من الخدمات والبنية التحتية.
فسرعة الإجراءات وكفاءة الخدمات، وقدرة الميناء على التعامل مع البضائع بمرونة، هي عوامل لا تقل أهمية عن الموقع الجغرافي. خصوصًا في سوق عالمي يتسابق فيه الجميع على تقليل الزمن والتكلفة، وهنا يصبح الميناء جزءًا من منظومة لا نقطة عبور فقط.
ولا تقتصر أهمية المنظومة اللوجستية على حركة البضائع وسرعة عبورها، بل تمتد إلى ما يمكن أن تقدمه من قيمة مضافة داخل المناطق اللوجستية المرتبطة بالموانئ. فالمناطق اللوجستية المتقدمة ليست مجرد مساحات للتخزين أو نقاط لإعادة التصدير، بل يمكن استثمارها وتطويرها لتتحول إلى مراكز تشغيلية تستقبل البضائع بكميات كبيرة، بما في ذلك المواد الخام، وتُعاد معالجتها عبر عمليات التغليف والتجميع وإعادة التوزيع، بما يرفع من قيمتها، ويعزز من كفاءة سلاسل الإمداد المرتبطة بها.
كما أن هذه العمليات تمثل مدخلًا عمليًا لتطوير النشاط الصناعي، حيث تبدأ مراحل الإنتاج بعمليات التجميع قبل الانتقال إلى مراحل التصنيع، وهذا ما يجعل من المناطق اللوجستية بيئة جاذبة للمصدرين والمصنعين والمنشآت الوطنية، بما يعزز حضورهم في السوق الإقليمي.
فالقيمة لا تُصنع في عبور البضائع، بل في ما يحدث لها قبل أن تغادر.
ولا يكتمل دور الموانئ دون منظومة نقل بري فعالة تربطها بالأسواق الإقليمية المحيطة، حيث لا تقل سرعة انتقال البضائع إلى وجهتها النهائية أهمية عن سرعة وصولها عبر البحر. ويظل النقل البري عنصرًا أساسيًا في هذا التكامل، إذ يختصر النقل البري من موانئ البحر الأحمر باتجاه أسواق الخليج والشام وقتًا ثمينًا يتجاوز أيام الإبحار حول الجزيرة العربية، مما يمنح ميزة تنافسية للوصول إلى الأسواق بسرعة. كما نجد أن النقل السككي قد يكون خيارًا استراتيجيًا ذا جدوى في بعض المسارات، وعلى المدى البعيد، خاصة في ربط الموانئ بالأسواق الإقليمية الكبرى.
ومع ما تمتلكه المملكة من بنية تحتية متطورة، نجد أن هناك فرص للتطوير و تعزيز هذا الدور اللوجستي، وتفعيل الربط الإقليمي بشكل أوسع، ودعمها ببيئة تشريعية مرنة وجاذبة بما يحول هذه المسارات إلى امتداد طبيعي لحركة التجارة، ويرفع كفاءة سلاسل الإمداد، ويختصر الزمن والتكلفة.
وبالنظر إلى بعض التجارب، نجد موانئ استطاعت أن ترسخ مكانتها كمراكز رئيسية في سلاسل الإمداد، ليس فقط لموقعها، بل لما توفره من تكامل في الخدمات اللوجستية وبيئة تشغيلية جاذبة ومحفزات تدعم حركة التجارة. فهذه الموانئ لم تعد مجرد نقاط عبور، بل تحولت إلى مراكز تشغيلية متكاملة جعلت من نفسها خيارًا مفضلًا للتجارة الدولية. وتواصل المملكة تعزيز مكانتها كمحور رئيسي في سلاسل الإمداد دون توقف، بما يدعم تطوير القطاع اللوجستي، ويرفع من كفاءته تحقيقاً لرؤية المملكة 2030.
فالموانئ لا تُقاس قوتها بموقعها فقط، بل بقدرتها على خلق القيمة، وأن تكون جزءاً فاعلاً في منظومة سلاسل الإمداد على خارطة التجارة العالمية.