د. عيسى محمد العميري
في ظل التحولات الاقتصادية العالمية المتسارعة، والتقلبات التي تشهدها الأسواق الدولية، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في إستراتيجيات الاستثمار التي تنتهجها الصناديق السيادية في دول الخليج العربي. هذه الصناديق التي تُعد من الأكبر عالميًا من حيث حجم الأصول، لطالما اتجهت إلى الاستثمار في الأسواق الخارجية، بحثًا عن التنويع والعوائد المجزية غير أن المرحلة الراهنة تفرض رؤية جديدة، تقوم على توجيه جزء أكبر من هذه الاستثمارات نحو الداخل الخليجي، بما يحقق الأمن الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي على المدى الطويل، كما أن دول الخليج تتمتع ببيئة استثمارية مستقرة نسبيًا، سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية، وهو ما يجعلها بيئة آمنة لضخ رؤوس الأموال، وعليه فإن تحويل جزء من الاستثمارات السيادية إلى مشاريع داخلية يمكن أن يسهم في تعزيز البنية التحتية، وتطوير القطاعات الحيوية مثل الصناعة، والتكنولوجيا، والطاقة المتجددة، والسياحة، والخدمات اللوجستية. هذه الخطوة لا تعني التخلي عن الاستثمار الخارجي، بل إعادة التوازن بما يخدم المصالح الوطنية، ومن أبرز النتائج الإيجابية لهذا التوجه خلق فرص عمل حقيقية ومستدامة لأبناء الخليج، فبدلًا من الاعتماد على الوظائف الحكومية أو انتظار الفرص المحدودة، سيفتح الاستثمار الداخلي أبوابًا واسعة أمام الشباب للدخول في سوق العمل، سواء عبر الوظائف المباشرة أو من خلال دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بهذه الاستثمارات الكبرى، وهذا بدوره يعزز من الاستقرار الاجتماعي، ويحد من البطالة، ويرفع من مستوى الإنتاجية، إضافة إلى ذلك، يسهم الاستثمار المحلي في نقل المعرفة وبناء القدرات. فعندما تُقام مشاريع صناعية وتقنية داخل دول الخليج، فإنها تجذب الخبرات العالمية، وتتيح فرص التدريب والتأهيل للمواطنين، ما يؤدي إلى بناء كوادر وطنية قادرة على قيادة المستقبل، كما أن توطين الصناعات يقلل من الاعتماد على الخارج، خاصة في أوقات الأزمات، كما شهد العالم خلال جائحة كورونا والأحداث الجيوسياسية الأخيرة، كما أنه لا يمكن إغفال الأثر الإيجابي على تنويع مصادر الدخل، فبدلًا من الاعتماد الكبير على النفط، يمكن لهذه الاستثمارات أن تفتح مجالات جديدة تدر عوائد مستدامة، وتدعم الاقتصاد غير النفطي، وهو ما يتماشى مع رؤى دول الخليج المستقبلية مثل رؤية السعودية 2030، ورؤية الكويت 2035، وغيرها من الخطط التموية.
ومن جهة أخرى، فإن تعزيز الاستثمار الداخلي يعزز من الترابط الاقتصادي بين دول الخليج، ويفتح المجال لمشاريع مشتركة عابرة للحدود، مما يرسخ مفهوم التكامل الاقتصادي الخليجي، ويزيد من قوة المنطقة ككتلة اقتصادية مؤثرة عالميًا.
اللهم احفظ خليجنا دائماً وأبداً. والله الموفق.
** **
- كاتب كويتي