د. سطام بن عبدالله آل سعد
حين أُغلق مضيق هرمز، ظهر الفرق بين من يلاحق الأزمة بعد وقوعها، ومن يملك بنية جاهزة لاحتواء أثرها. فالمشهد تجاوز مجرد تشغيل خط أنابيب بكامل طاقته، إلى معنى أعمق يؤكد أن أمن الطاقة يُبنى قبل الخطر بسنوات طويلة، ويظهر أثره الحقيقي عند اشتداد الأزمات. وفي مثل هذه اللحظات، تبرز قيمة الدول التي تستثمر في البدائل بعقل استراتيجي بعيد النظر، والسعودية العظمى مثال حاضر على ذلك.
خط «شرق - غرب» عاد إلى الواجهة باعتباره أحد أهم البدائل الاستراتيجية في لحظة اختناق جيوسياسي حاد، بعد تعطل حركة الملاحة في واحد من أخطر الممرات البحرية في العالم. هذه العودة أعادت طرح سؤال مهم: كم مشروعاً استراتيجياً يُنظر إليه في أوقات الاستقرار بوصفه عبئاً مكلفاً، ثم يتبين في وقت الأزمات أنه الفارق بين الارتباك والقدرة على المناورة؟ فحين تتعطل الممرات، تصبح البدائل جزءاً من السيادة الاقتصادية، لا حلاً طارئاً.
ولهذا، حين ضاقت الجغرافيا في وجه الكثيرين، فتحت المملكة جغرافيتها البديلة بثقة، وتحرك النفط عبر شرق - غرب بكامل طاقته، وتحوّلت ينبع إلى رئة واسعة بثّت في الأسواق الطمأنينة، في مشهد يعكس جاهزية المملكة وحسن توظيفها للجغرافيا. الأهم أن الأزمة لم تكشف كفاءة تصدير النفط فحسب، بل كشفت أيضاً استعداد المملكة للتعامل مع ما هو أبعد من النفط نفسه. لذلك جاءت الإجراءات اللوجستية المساندة، من تسهيلات التخزين، إلى مرونة الشاحنات، إلى رفع كفاءة الحركة بين الموانئ والمطارات والسكك الحديدية على امتداد الخليج العربي، بما عزز استمرارية الإمداد ورفع قدرة المنطقة على مواجهة الاضطراب. وهنا تتضح قيمة التفكير الذي يقرأ الاقتصاد على أنه شبكة مترابطة، وتتجلى معه كفاءة الإدارة السعودية في التعامل مع الضغط الإقليمي بتماسك ومرونة.
ما جرى يثبت أن الأزمات الكبرى ترفع قيمة البنية البديلة، والقرار الاستباقي، والقدرة على تحويل الجغرافيا من نقطة تهديد إلى مساحة حركة. ومن هنا تبرز أهمية امتلاك المورد والمسار، وامتلاك الخطة القادرة على إبقاء التدفق قائماً حين تتعطل الطرق التقليدية. فهذه هي اللغة التي تفهمها الأسواق، وهذا هو الاختبار الحقيقي لصلابة الدول.