تتوقف الكلمات إجلالاً أمام مواقف الرجال، وتغدو الكتابة محاولة لاستيعاب حجم الفقد الذي يتركه رحيل القامات النبيلة والهامات المؤثرة. فليس أصعب على النفس وعلى المجتمع من توديع رجل نذر فصول حياته للبذل الخفي والعطاء الجزيل، والعمل الذي يبتغي به وجه الله سبحانه.
اليوم، انطوت صفحة مضيئة برحيل الشيخ سعد بن محمد بن سعد العجلان، الذي وافاه الأجلُ يوم الجمعة 8 شوال 1447هـ، مخلّفاً وراءه سيرة عطرة تضوع بطيب الكرم ونبل المقصد.
كانت علاقة الشيخ سعد رحمه الله بمسقط رأسه ومنطقته علاقة حب ووفاء، تجسدت في مشاريع حيوية مستدامة.. فقد آمن الفقيد، يرحمه الله، أن الصدقة الحقيقية هي تلك التي يمتد نفعُها ليمس حياة الناس اليومية؛ لذا بادر على نفقته الخاصة بتنفيذ مشروع تطوير ورصف الجزيرة الوسطية لطريق (رغبة - القصب) على امتداد 4 كيلومترات، ولم يكتف بذلك، بل عمل على تطوير وتنظيم تقاطع (رغبة - الفيضة) ليجعل منه معبراً آمناً لكلِّ مرتاديه.
هذا المشروع كان استجابة لحس وطني رفيع، وشعور عميق بالمسؤولية تجاه سلامة عابري السبيل. فكل مركبة تعبر ذلك الطريق، وكلَّ روح تجد السهولة والأمان في تنقلها، هي في ميزان حسنات رجل آثر أن يترك بصمة ملموسة تخدم الأجيال، وتذكره بالدعاء والخير كلما أشرقت شمسٌ على تلك الروابي.
عُرف الشيخ سعد «أبو عبدالله» بكونه ركناً من أركان أسرة العجلان ومثالاً يُحتذى به في تقديرِ القربى وجمع الكلمة. كان مجلسه العامر في الرياض مقصداً لمحبيه من أبناء الوطن ، والشيوخ، والوجهاء، ورجال الأعمال، حيث يلتقي الجميع على مائدة الكرم الصادق والتواضع الجم.
لقد كان يرى في قوة الترابط الأسري أساساً لتماسك المجتمع، فكان سبّاقاً لحضور الاجتماعات الدورية، ومبادراً لمدِّ جسور التواصل بين الصغير والكبير.
لم يقف عطاؤه عند حدود الكلمة الطيبة والوفادة الكريمة، بل كان سنداً حقيقياً للعمل المؤسسي، ويشهد التاريخ على وقفته المشرفة مع «صندوق الأسرة التعاوني»، وتقديمه دعماً سخياً مستمراً كل عام، ليكون بمثابة الوقود الذي يغذي مشاريع التكافل الاجتماعي داخل العائلة، كما كان صوته حاضراً في ميادينِ البرِّ الوطنية؛ فساهم في الحملة الوطنية للعمل الخيري في هذا الوطن المعطاء، مؤكداً أنَّ يده التي تُعطي في السر، هي ذاتها التي تقف في طليعة الداعمين لمشاريع الدولة الخيرية.
حيث قدم الفقيد في حياته العديد من الأعمال الخيرية والإنسانية، شملت مجالات الرعاية الاجتماعية والصحية، ودعم المبادرات المجتمعية والجمعيات الخيرية وجمعيات البر، وجمعيات تحفيظ القرآن الكريم، والجمعيات الخيرية لرعاية الأيتام، كما أسهم في عمارة المساجد والجوامع وترميمها، وكفالة الأيتام، وإفطار الصائمين، ودعم مراكز توعية الجاليات ومراكز تأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة، وتمويل برامج التربية الخاصة والخدمات العلاجية والطبية، إضافةً إلى تقديم الإعانات المالية للأرامل والأيتام والأسر المحتاجة، والمساعدات العينية من مواد غذائية وملابس، خاصة في شهر رمضان، وإيواء المحتاجين والأرامل.
إن المعنى الحقيقي لخلود الإنسان يكمن في الذكرى الحسنة والأبناء الصالحين الذين يسيرون على دربه.
وقد وفق الله الشيخ سعد العجلان في بناء أسرة كريمة، قوامها النبل والشهامة. فأبناؤه: عبدالله، وفهد، وعبدالعزيز، وعجلان، ومحمد، ويوسف، وخالد، هم اليوم حراس تلك السمعة الطيبة، والامتداد الحي لمدرسة والدهم في الجود والفضل. لقد نشأوا في كنف رجل لم يعرف المباهاة، بل عرف الإخلاص، فتشربوا منه حب الناس والحرصَ على نفعهم، ليكونوا خير خلف لخير سلف، متمسكين بقيم والدهم التي غرسها فيهم بالقدوة والعمل قبل القول.
بعد صلاة عصر السبت، التاسع من شوال لعام 1447هـ، الموافق الثامن والعشرين من مارس 2026م، احتضن جامع المهيني بالرياض جموعاً غفيرة جاءت لوداع رجلٍ كان للخير غيثاً. ومع مواراة جثمانه الثرى في مقبرة الشمال، بقيت القلوبُ تشهدُ بكلمةٍ واحدة: «لقد كان من أنفعِ الناسِ للناس». فغيابُ الشيخ سعد لم يمحُ أثره؛ بل ظلَّ صدى إحسانه يتردد في كل طريق مهّده، وفي دعوات كل من جبر خاطرهم بصمت وعفة.
ويقول أحد جيرانه من أهالي تمير العزيزة: في حي المربع بالرياض عندما انتقل الشيخ سعد العجلان وأسرته الكريمة إلى سكنه الجديد في حي الغدير شمال الرياض مع طلوع مخطط الغدير، وكنا نرى أنه بعيد عنا وعن وسط الرياض في تلك الفترة، وحاولنا أن نثنيه عن الرحيل، وقلنا لأحد أولاده: والدكم بيسكن في المغرزات، حيث أن المغرزات شمال الرياض، ونرى أنها صحراء في تلك الفترة وسنفقده ويفقده أهل المسجد والحي بالمربع والجيران رحمه الله.
واليوم الحمد لله حي الغدير مع نهضة المملكة صار الحي وسط الرياض عندما كانا الحي مخططا جديدا وبعيدا عنا بالمربع، حيث إننا لا نرغب برحيل جارنا العزيز، بعيداً عنا في المربع وكان الفقيد محب لديرتي تمير وأهلها ومناطقها الربيعة الجميلة وسائر أسرة العجلان الكريمة ومواطني هذا الوطن الغالي.
رحل الشيخ سعد بن محمد سعد العجلان مخلّفاً وراءه فراغاً يملؤه الرضا بقضاء الله، فودّعت أسرة العجلان والعيد ومحبو الراحل وجهاً كريماً وضّاءً، وروحاً طاهرة مَضت إلى ربها مطمئنة بما قدّمته من بذل. نسأل الله العلي القدير أن يتقبل منه صالحَ أعماله، ويجعل إحسانه شفيعاً له ورفعة في درجات الجنان.
رحم الله الشيخ سعد، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.
{ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ }
** **
محمد الناصر - تمير