عبدالعزيز صالح الصالح
تمكَّن العلماء من دراسة مستفيضة توصلوا إليها إلى معرفة كمية الجليد الموجود فوق سطح الكرة الأرضية، وكمية المياه الموجودة، ومقدار كمية الهواء التي تحيط بها، وكمية الطاقة التي تأتي من أشعة الشمس إلى الكرة الأرضية في كل عام، بل في كل يوم.
وبفضل هذه الدراسة استطاع العلماء تفسير الترابط بين هذه العوامل وكيفية تشكّل الجليد وتقلّصه، ممَّا أدى إلى هجر الأفكار القديمة الخاطئة والتي منها أن أشعة الشمس تشرق على القطبين، الشمالي والجنوبي لفترات أقل منها في الجهات الأخرى، والحقيقة أن الشمس تضيء لمدة ساعات أطول في القطبين، خلال سنة، أكثر ممَّا تفعل بخط الاستواء، وذلك ناشئ عن انحراف الأرض على محورها، نحو الشمس، خلال فصل الصيف في كل من نصفي الكرة الأرضية لقد ساعدت الأدوات والوسائل الحديثة المستخدمة العلماء في دراسة الجليد من قياس (ميزان الحرارة) وكيف تتجزأ حرارة أشعة الشمس وضوؤها وطاقتها، وكيف تخزن وتستخدم.
فقد توصل العلماء إلى التعرّف على صورة لميزانية الحرارة الدقيقة والمحكم في الشمال والجنوب البعيدين، بل في الأرض بكاملها، ولم يكتفوا بهذه الصورة الحرارية الحالية، بل تعرَّفوا على ما كانت عليه هذه الحرارة منذ آلاف، بل ملايين السنين.
وباختصار، بل بواسطة هذه الآلات الحديثة، يستطيع عالم الجليد أن يعلم في نصف نهار، ما كان يتطلب عاماً كاملاً من الدراسات بالوسائل القديمة.
إن حرارة جليد القارة القطبية الجنوبية، الذي قد يبلغ سمكه الميلين في بعض الأماكن، حيث تختلف من مكان إلى مكان، وفي المستويات المتنوِّعة. سؤال:
- فكم من الحرارة يحتاج ذلك الجليد ليذوب؟
فهذا الأمر يتوقف على نوع وكمية الحرارة التي يحتويها، فالجليد يستطيع أن يمتص كمية هائلة من الحرارة قبل أن يذوب، إلى جانب هذه الدراسة التي قام بها عالم الجليد، فقد قام عالم المناخ بأخذ قياسات لأشعة الشمس والهواء، حيث مقدار أشعة الشمس الآنية، والكمية التي تنعكس عن عالم الجليد، والكمية التي تتبعثر في الهواء الطلق، والكمية امتصها الجو، والتي امتصها الجليد، والتي احتجزها السحب والضباب، كما قاس حرارة الهواء والرياح.
لقد تم كشف صورة لبضع مئات من السِّنين بواسطة مقاطع عرضية في الطبقات العليا من عالم الجليد، حيث تفصل بين طبقات الجليد الثلجي الأبيض، وطبقات من الجليد الأزرق الصافي بسبب ذوبان الثلوج في فصل الصيف، ربما يكون الجليد الأزرق قاسياً كالصخر ولكنه عظيم الفائدة، لأن كل طبقة من الجليد الثلجي الأبيض تروي قصَّة معقدة من خلال السنة التي تكونت فيها، كما أن هذه الدراسة جاءت بمجموعة من المعلومات التي تدور في العصور الحالية وتتوج هذه المعلومات:
حيث تضم قيعان البحار قصصاً مدهشة وهائلة، فهي تكشف امتداد صفحات الجليد الواسعة، لأن الجليد يحمل معه فضلات يقذفها بعد ذوبانها في قاع البحر، حيث إن القارتين القطبيتين الجنوبية والشمالية هما قطبان متعاكسان، ليس جغرافياً فحسب، بل من حيث التركيب الفيزيائي أيضاً، حيث يبلغ سمك جليد القطب الجنوبي أحياناً ميلين مما جعلها أعلى قارة في العالم، بينما جليد القطب الشمالي يعتبر كتلة جليدية منخفضة منبسطة، وعائمة كما تحيط اليابسة بالمحيط المتجمّد الشمالي.
فقد تمكَّن الإنسان من العيش في الشواطئ الباردة من القطب الشمالي، مع أن المياه بالقطب الجنوبي أغنى مياه على سطح الكرة الأرضية، علماً بأن الحياة البشرية بقيت مستحيلة تقريباً على جليدها الذي تكتسحه عوامل الرياح، فالقارة القطبية الجنوبية تعتبر قاسية لدرجة أنها لا يوجد فيها إلا جانب من الطيور وعجول البحار التي تتغذَّى على بعض الحشرات كالبعوض غير المجنحة وبعض النباتات البدائية التي توجد في قاع البحار. بعكس القارة القطبية الشمالية التي تزدهر فيها الحياة التي تحوي آلافاً من أنواع النباتات والحيوانات البرية، فقد عاش الإنسان في شواطئ القطب الشمالي منذ آلاف السِّنين، وكان الجليد يغطي معظم القارة الأمريكية الشمالية، فقد ظل رجل القطب الشمالي.
والله الموفِّقُ والمعين.