عبدالرحمن الحضري
أمام منزله المستقر في حيٍّ هادئ، قرَّر أن يغرس شجرة سدرة، ثم تعهدها بالرعاية المستمرة، يسقيها بانتظام، يشذِّب أغصانها بحب، ويراقب نموها يومًا بعد يوم وكأنها أحد أفراد العائلة. لكن وسط هذا الاهتمام، كان هناك سؤال يطرح نفسه دائمًا: لماذا السدرة تحديداً؟ لماذا لم يختر نخلة باسقة تمنح التمر والظل، أو كينا وارفة الظلال دون أن تثير جلبة؟ ربما هو الحنين لظلال السدر في أوديتنا، أو رغبة في التغيير، وربما صدفة أتته وهو يتمتم بأغنية مروة سالم الشعبية: تحت السدرة وأنا أدور دواء عيوني.
ما علينا.. مرت السنوات، واشتد عود السدرة، فأرادت أن تكافئ صاحبها على صبره ورعايته بأن أثمرت، وتدلت حبات «النبق» الشهية من أغصانها الكثيفة. ولكن، وبدلاً من أن تكون هذه الثمار مصدر فخر وسعادة واستمتاع، تحولت فجأة إلى مصدر إزعاج لم يخطر له على بال. السدرة التي كانت رمزًا للزينة والهدوء أمام المنزل، تحولت إلى نقطة تجمع وساحة معركة مصغرة، فمع نضوج النبق، بدأت جحافل الطامعين تتوافد. العمالة المارة في الشارع وجدوا فيها وجبة خفيفة ومجانية، ولأن الأغصان عالية، تحولت أحذيتهم إلى مقذوفات جوية تُرمى بكثافة نحو الأعلى لإسقاط الثمار. ولم يقتصر الأمر عليهم، بل انضم أطفال الحارة إلى المشهد بأسلحتهم التقليدية «النباطة»! بدأت الحجارة تتطاير في كل اتجاه، موجهة نحو الأغصان أملاً في حبة نبق تسقط هنا أو هناك.
أما الطامة الكبرى، فكانت من نصيب أهل المنزل الأبرياء، فبدلاً من الاستمتاع بظل شجرتهم ومحصولها، أصبحوا عرضة لـ «رصاصات» طائشة من الحجارة والأحذية الطائرة التي تخطئ هدفها لتستقر فجأة على رؤوسهم داخل فناء منزلهم.
هكذا تبدَّدت أحلام الطرب وتلاشت أمنيات الهدوء، ليجد صاحبنا نفسه يفكر في تلك الشجرة التي أتى بها بحثًا عن الجمال والظلال فأورثته صداعًا. ليبقى السؤال معلقًا في الهواء: هل سيأتي اليوم الذي يجلب فيه فأسًا يقتلع بها «دواء عيونه» من جذوره ليرتاح من هذا العناء؟ ربما..!