فهد المطيويع
يقول المثل إن أول الغيث قطرة، وإن أيام العيد تعرف من عصاريها، وما نشاهده اليوم مع رينارد ليس سوى امتداد لفوضى قديمة تعود بثوب جديد. مدرب يعيش في أفضل بيئة عمل يمكن أن يحلم بها أي مدرب؛ معسكرات، دعم، أسماء، وقت، واستقرار لم يتوفر لغيره، ومع ذلك ما زال يدير المنتخب بعشوائية تثير الاستغراب. المشكلة ليست في الخسارة أو التعثر، فكل منتخب في العالم يتعثر، ولكن المشكلة أن رينارد لا يبدو أنه يعرف ماذا يريد بالضبط؟ كل فترة يخرج لنا بفكرة مختلفة، وتشكيلة مختلفة، وتبرير مختلف، ثم لا يلبث أن يناقض نفسه بنفسه بعد أسابيع قليلة، وكأن المنتخب حقل تجارب مفتوح، لا مشروعاً وطنياً يفترض أن يكون له هوية واضحة وخطة ثابتة. مرة يتحدث عن ضرورة الاستقرار، ثم يغيِّر نصف التشكيلة. ومرة يبرر ضعف الأداء بعدم المشاركة الكافية وعدم إعطاء دقائق إضافية للاعبين ثم يواصل استدعاء أسماء وتجريب أخرى وكأنه يبدأ من الصفر في كل تجمع. ومرة يشتكي من قلة الخيارات، رغم أنه جرّب ما يقارب خمسين لاعباً مع منتخبين مختلفين، ولم ينجح حتى الآن في الوصول إلى تشكيل أساسي يمكن للجمهور أن يحفظه أو يفهم فكرته. أي مدرب في العالم لو منح كل هذه الفرص والإمكانات ثم بقي يدور في الحلقة نفسها لكان محل مساءلة حقيقية.
لكن رينارد يبدو أنه يعيش على رصيد قديم، وعلى أسطوانة التأهل إلى كأس العالم مرتين مع المنتخب، رغم أن أحد هذين التأهلين جاء عبر الملحق، وكأن هذا الإنجاز يمنحه حصانة أبدية من النقد والمحاسبة. الأخطر من كل ذلك أن رينارد لا يقدم مؤشرات توحي بأنه يملك حلولاً. هو فقط يؤجل المشكلة من مباراة إلى أخرى، ومن معسكر إلى آخر، ويكتفي بالحديث عن الظروف والغيابات والإصابات، بينما المنتخب يدخل في دوامة من التخبط الفني وفقدان الهوية. لا يوجد أسلوب لعب واضح، لا يوجد استقرار، لا يوجد تطور حقيقي، بل هناك فقط سلسلة طويلة من المحاولات المرتبكة التي تدار بعقلية «لنجرب ثم نرى».
والسؤال الذي يفرض نفسه: من أين جاء كل هذا الصبر على رينارد؟ ومن أين له كل هذه المساحة ليستمر في الأخطاء نفسها دون أن يسأل أو يحاسب؟ اللوم لا يقع عليه وحده، بل على اتحاد سعودي يتعامل مع المشهد وكأنه متفرج. لا موقف، لا توضيح، لا مراجعة، لا إحساس بأن هناك منتخباً على أبواب استحقاق كبير. وكأن الرسالة هي: دعوا الأمور تسير كما هي، حتى لو كانت تسير نحو الحائط. ما يحدث اليوم ليس سوء حظ، وليس مجرد اختلاف في وجهات النظر الفنية. ما يحدث هو فوضى مكتملة الأركان، عنوانها مدرب لا يعرف ماذا يريد، واتحاد لا يريد أن يعرف ماذا يحدث. والاستمرار بهذه العقلية، عقلية التجربة والخطأ، قبل كأس العالم، ليس شجاعة ولا عملاً احترافياً، بل مقامرة بمشاعر جمهور انتظر تغير واقع المنتخب لعقود.
وبصراحة، علينا أن نحمد الله أن هذا المنتخب عرف طريق كأس العالم قبل رينارد، لأنه يتصرف اليوم وكأن الكرة السعودية بدأت وانتهت عنده، بينما الواقع يقول إن المنتخب أكبر من أي مدرب، وأكبر من أي اسم، وأكبر من أن يدار بهذا القدر من التخبط.