صبحي شبانة
في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس الدول بما تواجهه من تحديات، بل بما تملكه من قدرة على مواجهة تلك التحديات وتحويلها إلى فرص لصياغة مستقبل مختلف، وحين تضطرب الجغرافيا تحت وقع الصراعات، وتتسارع الأحداث بما يفوق قدرة التوقع، تمسك المملكة بخيوط المشهد دون أن تنجرف في فوضاه، في هذا الوضع الملبد، لا تكتفي المملكة العربية السعودية بأن تكون طرفًا في المعادلة، بل تتقدم لتعيد تشكيلها، مقدمة الحكمة والاتزان في مواجهة الاندفاع، والعقل في مواجهة الضجيج، والاستقرار في مواجهة العبث.
وفي زمنٍ تختلط فيه الحسابات، وتنعدم فيه الرؤية بين ضجيج الشعارات وصخب الاقتتال، تبرز الرياض لا بما تملكه من أدوات القوة فحسب، بل بما تحمله من حكمة في توظيفها، وحين تتراجع بعض العواصم أمام ارتباك اللحظة، أو تنجرف أخرى خلف اندفاعات غير محسوبة، تقف المملكة لتصوغ الفعل وترسم خارطة الواقع والمستقبل وفق رؤية استراتيجية عميقة، تجعل منها عقل الاستقرار في زمن ينجرف تجاه الفوضى.
لم تعد التحديات التي تواجه منطقة الشرق الاوسط مجرد نزاعات تقليدية بين دول، بل تحوّلت إلى مشهد معقّد تتداخل فيه مشاريع النفوذ مع أدوار الميليشيات، وتتصارع فيه مفاهيم الدولة مع كيانات موازية تسعى إلى تقويضها، وفي قلب هذا المشهد، لم تكن السعودية في موقع الاختيار، بل في موقع التجسيد لمنطق الدولة بوصفه أساسًا راسخًا في نهجها السياسي؛ فالدولة، في المفهوم السعودي، ليست مجرد حدود جغرافية، بل كيان سيادي يقوم على الاستقرار، والتنمية، وحماية الإنسان من فوضى الحروب والانفلات.
ومن هنا، لم يكن تعامل الرياض مع التهديدات المتكررة سواء عبر الصواريخ أو الطائرات المسيّرة تعاملًا انفعاليًا، بل جاء ضمن معادلة دقيقة تمزج بين الردع والحكمة، فالحكومة السعودية تدرك أن الانجرار خلف ردود الفعل المتسرعة قد يحقق انتصارًا لحظيًا، لكنه يفتح أبوابًا أوسع للفوضى، ولذلك، فإنها تمارس ضبط النفس من موقع القوة الواثقة التي تعرف متى تضرب، وكيف؟، ولماذا؟، إنها دولة تمتلك القدرة، لكنها تختار التوقيت؛ تملك القوة، لكنها تُحسن إدارتها،
وفي هذا السياق، تتجلى بصمة القيادة في رسم هذا النهج، حيث يقود ولي العهد محمد بن سلمان، رؤية متكاملة تمزج بين الحزم في حماية السيادة، والانفتاح في بناء المستقبل، واضعًا المملكة في موقع الدولة التي تُدير التحولات ولا تنجرف خلفها. لم تكتفِ المملكة بالدفاع عن أمنها الوطني، بل وسّعت من دورها لتكون عنصر استقرار إقليمي فاعل، فحين تتعرض خطوط إمدادات الطاقة العالمية لتهديدات متكررة، لا يكون الأمر شأنًا محليًا، بل قضية تمس استقرار الاقتصاد الدولي بأسره. وهنا، تظهر السعودية كضامن موثوق، لا فقط لقدرتها الإنتاجية، بل أيضًا لالتزامها بالحفاظ على توازن الأسواق، رغم كل التحديات، فإنها تدير ملف الطاقة بعقل الدولة المسؤولة، لا بمنطق الابتزاز أو التسييس.
وفي موازاة ذلك، تواصل المملكة بناء نموذج تنموي متقدم، يعكس تحوّلًا عميقًا في بنية الدولة والمجتمع، هذا النموذج لا يقتصر على الداخل، بل يحمل رسالة واضحة إلى منطقة الشرق الأوسط والعالم أن المستقبل لا يُبنى بالصواريخ، بل بالاستثمار في الإنسان؛ ولا يُصنع عبر الفوضى، بل بالاستقرار الاقتصادي والإصلاح الاجتماعي ، ومن هنا، فإن الفارق بين مشروع الدولة الذي تمثله المملكة، ومشاريع الفوضى التي تقودها بعض القوى الإقليمية، لم يعد فارقًا في الوسائل فقط، بل في الرؤية نفسها.
لقد أدركت الرياض مبكرًا أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في مواجهة التهديدات، بل في إعادة تشكيل معادلة المنطقة على أسس جديدة، تجعل من الاستقرار خيارًا ممكنًا، لا استثناءً نادرًا. ولذلك، فإن تحركات الرياض السياسية، وتحالفاتها الإقليمية، ومبادراتها الاقتصادية، كلها تصب في اتجاه واحد بناء توازن يحمي الدول، ويحد من تغوّل الفوضى.
وفي لحظة تتكاثر فيها الحسابات الضيقة، وتعلو فيها أصوات المغامرة غير المحسوبة، تقدم السعودية نموذجًا مختلفًا؛ نموذج الدولة التي ترى أبعد من اللحظة، وتفكر بما بعد الأزمة، وتدرك أن القوة الحقيقية ليست في إشعال الصراعات، بل في القدرة على احتوائها.
وهكذا، بينما تتجه بعض الأطراف نحو حافة الهاوية، أسيرة لوهم التفوق اللحظي، تختار المملكة أن تسلك طريقًا أكثر صعوبة، لكنه أكثر رسوخًا، طريق الحكمة والاتزان، فهي لا تسعى إلى الهيمنة، بقدر ما تعمل على ترسيخ الاستقرار؛ ولا تبحث عن صخب الانتصارات المؤقتة، بل عن هدوء الإنجازات المستدامة.
وهكذا، بينما تتنازع المنطقة اتجاهات متباينة بين التصعيد والتهدئة، تظل المملكة العربية السعودية تمثل محور الارتكاز نحو الاستقرار، ونموذجًا للدولة التي لا ترى في السلام خيارًا ضعيفًا، بل القوة الأكثر استدامة، وفي زمن الصراعات المفتوحة، يصبح الساعي إلى السلام أكثر شجاعة من صانع الحرب، وفي هذه اللحظة التاريخية، تمضي السعودية واثقة نحو ترسيخ معادلة جديدة، عنوانها، أن الاستقرار ليس حلمًا مؤجلًا، بل مشروعًا يُصنع بإرادة الدول الكبرى، وتدرك الرياض ان في زمن الفوضى، يصبح الاتزان شجاعة... وتصبح الحكمة قوة، وفي ظل الفوضى التي تعم، تبدو السعودية أكثر من أي وقت مضى عقل المنطقة الذي لا يختل، وركيزتها التي لا تميل، وشعلتها المضيئة التي لن تنطفئ أبدا.