فائز بن سلمان الحمدي
في زمنٍ تتكاثف فيه الغيوم، وتتزاحم فيه الأنباء المثقلة بصدى الخطر، تقف المملكة العربية السعودية شامخةً كطودٍ لا تهزّه العواصف، ولا تنال من عزيمته رياح الفتن. هناك، في سماء الوطن، حيث لا تُرى العيون ولكن تُدرك البصائر، ترابط عيونٌ ساهرة، وسواعدُ يقظة، وعقولٌ هندسيةٌ مبدعة، صنعت من العلم درعًا، ومن الإيمان سياجًا، ومن اليقين يقظةً لا تنام. لقد أثبتت قوات الدفاع الجوي بفضل الله ثم بما أوتيت من تأهيلٍ رفيع وتقنيةٍ متقدمة أن الأمن ليس شعارًا يُرفع، بل أمانةٌ تُؤدّى، وعهدٌ يُصان، وأن السماء التي تظلّل هذا الوطن ليست متروكةً لعابثٍ أو معتدٍ، بل محروسةٌ بعين الله، ثم برجالٍ إذا جدّ الجدّ كانوا على الموعد، وإذا أُرسلت النيران أطفأوها قبل أن تبلغ مداها، وإذا انطلقت التهديدات بدّدوها قبل أن تصيب مقصدها. وما بين صمت الليل وسكون المدن، تدور معارك خفيّة، لا يسمع لها المواطن وقعًا، ولا يرى لها المقيم أثرًا، لكنها معارك تُخاض بدقة، وتُحسم بحكمة، وتُدار بعقولٍ لا تعرف التهاون. صواريخٌ تُطلق، ومسيراتٌ تُسيّر، ولكنها تتيه في فضاءٍ لا يُهادن، وتتحطم على أبواب سماءٍ أُعدّت لها الردود قبل أن تُعلن التهديدات.
غير أنّ سرّ هذه الطمأنينة لا يقف عند حدود السلاح وحده، ولا يُختزل في أنظمة الرصد والدفاع، بل يمتدّ عميقًا في جذور هذا المجتمع، قيادةً وشعبًا، جذورٍ سُقيت بماء التوحيد، ونمت على معاني الوفاء، وتفيّأت ظلال الوحدة، وترعرعت في بيئةٍ تُعلي من شأن الاجتماع، وتنبذ الفرقة، وتشدّ نسيجها الداخلي شدًّا محكمًا لا تنفصم عراه.
إنها بلادٌ لم تُبنَ على عارضٍ من الدنيا، ولا على موجةٍ من العابرين، بل قامت منذ نشأتها على كلمةٍ واحدة: لا إله إلا الله. ومن هذه الكلمة انبثقت منظومة القيم، وتشكلت ملامح الهوية، واستقرّ في الوجدان أن الوحدة فريضة، وأن التماسك نجاة، وأن الفرقة ضعفٌ يُتّقى، وأن الصفّ إذا انتظم كان سدًّا منيعًا في وجه كل طامع. ولذلك، ترى المجتمع على اختلاف أطيافه وتباين مشارب أفراده كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى. لا تفرّقهم النعرات، ولا تشتتهم الدعوات، لأن بينهم رباطًا أعظم من المصالح، وأبقى من العناوين، رباط العقيدة التي جمعت القلوب قبل أن تجمع الأجساد، ووحّدت الوجهة قبل أن توحّد الطريق. وهنا تتجلى صورةٌ بديعة من صور التلاحم: قيادةٌ تستمدّ شرعيتها من خدمة الدين ورعاية الحرمين، وشعبٌ يبادلها الوفاء بالوفاء، ويشدّ أزرها في الشدائد قبل الرخاء، في مشهدٍ قلّ أن يتكرر في عالمٍ تتنازعه الانقسامات. فلا غرابة أن يكون الأمن في هذه البلاد نابعًا من الداخل قبل أن يُفرض من الخارج، ومغروسًا في النفوس قبل أن يُحاط بالحدود. وليس لأحدٍ كائنًا من كان منّةٌ على هذه البلاد، ولا فضلٌ يُدّعى عليها؛ فالأمر أولًا وآخر لله، والفضل كل الفضل له سبحانه، هو الذي حفظها، وهو الذي قيّض لها رجالًا صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وهو الذي ألهم أهلها الاجتماع، وصرف عنهم مسالك التفرّق، وجعل في وحدتهم قوة، وفي تماسكهم منعة، وفي اجتماع كلمتهم حصنًا لا يُخترق.
ومن هنا، فإن كل محاولةٍ للنيل من أمنها، أو التشويش على استقرارها، أو بثّ الفرقة بين أبنائها، إنما تصطدم بحقيقةٍ راسخة: أن هذا الوطن ليس مجرد حدودٍ مرسومة، بل هو عقيدةٌ حيّة، وولاءٌ متجذّر، ونسيجٌ اجتماعيٌّ متين، لا تُفكّ عقده بمكائد، ولا تُضعف أواصره بدعاوى. وهكذا، تمضي المملكة بعون الله في مسيرتها، تجمع بين قوة السلاح وصلابة العقيدة، وبين دقة التقنية وعمق الإيمان، وبين يقظة الحارس ووحدة الدار. وطنٌ إذا نظر إليه الناظر رأى أمنًا ظاهرًا، وإذا تأمله المتأمل أدرك أن وراء هذا الأمن قصة إيمانٍ طويل، وتاريخًا من الوفاء، ومدرسةً في الاجتماع قلّ نظيرها.
فالحمد لله أولًا وآخر، وظاهرًا وباطنًا، على نعمة الأمن والإيمان، وعلى وطنٍ إذا ذُكر ذُكرت معه الطمأنينة، وإذا وُصف كان عنوانه الاستقرار، وإذا خُشي عليه قام له أبناؤه صفًّا واحدًا، كالبنيان المرصوص، يشدّ بعضه بعضًا، لا تزعزعه الرياح، ولا تنال منه الخطوب.
وفي الختام… ليس هذا الوطنُ أرضًا تُحرس فحسب، بل عهدٌ يُصان، وإيمانٌ يُستودَع في القلوب قبل الحدود. فإن تعاقبت عليه الليالي، أو تلبّدت في أفقه السُّحُب، بقي ثابتًا لا يتزعزع؛ لأن وراءه ربًّا لا يغفل، وقيادةً إذا عزمت مضت، وإذا وجّهت أُطيعَت، وشعبًا إذا دُعي لبّى، وإذا نُودي للوحدة اجتمع، وإذا مُسّ أمنه انتفض كالبنيان المرصوص لا يتصدّع.
فالحمد لله على وطنٍ إذا خِفناه احتمينا به، وإذا أحببناه ازددنا له وفاءً، وإذا ذُكر ذُكرت معه الطمأنينة. وطنٌ لا يُؤخذ على غِرّة، ولا يُنال من عزمه، لأن في سمائه حُرّاسًا، وفي أرضه رجالًا، وفي قيادته حزمًا، وفي قلوب أهله عقيدةً إن قامت قامت بها الدنيا من حولهم.