د. الجوهرة بنت فهد الزامل
قوة الدولة في عصرنا الحالي لا تُقاس بالقدرة الدفاعية أو الموارد الطبيعية فحسب، بل بثقة المجتمع في كفاءة مؤسساته، واستمراريتها، وقدرتها على إدارة الأزمات والصدمات بفعالية.
في هذا السياق، تبرز المناعة الاجتماعية السعودية كنموذج متقدِّم، حيث تحول المجتمع إلى رأس مال إستراتيجي حيوي قادر على إنتاج الاستقرار الداخلي، وامتصاص الصدمات الخارجية، وتحويل التحديات إلى فرص حقيقية للتطور الذاتي وتعزيز التماسك الوطني.
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتنوع أشكال التهديدات الهجينة من التصعيد العسكري إلى الحروب النفسية والاقتصادية لم يعد استقرار الدول يُقاس فقط بالقوة العسكرية أو الموارد الاقتصادية، بل بقدرة مجتمعاتها على امتصاص الصدمات وتحويلها إلى قوة داخلية دافعة. هذه القدرة (المناعة الاجتماعية) ليست مفهوماً نظرياً مجرداً، بل تُسمى بنية ديناميكية غير مرئية تتكون من تفاعل ثلاثي مترابط يعزِّز بعضه بعضاً في حلقة تفاعلية ذاتية التعزيز:
- الثقة المؤسسية التي تحول التحديات من مصادر قلق جماعي إلى مشكلات فنية قابلة للحل المنهجي والاستجابة السريعة.
- التماسك الاجتماعي الذي يعيد توجيه الضغوط الخارجية نحو طاقة تضامنية بناءة تعزِّز الوحدة الوطنية بدلاً من تهديدها.
- الأمان النفسي الجمعي الذي يولِّد يقيناً جماعياً بأن المستقبل قابل للتوقع والتشكيل، فيمنح المجتمع مرونة إستراتيجية حقيقية.
إنها رأس مال اجتماعي إستراتيجي يحول المجتمع من متلقٍ سلبي للسياسات إلى شريك فاعل في إنتاج الاستقرار والمرونة الوطنية. وبهذا، يمنح صنَّاع القرار هامشاً أوسع للتخطيط طويل المدى، ويقلّل الحاجة إلى تعبئة طارئة مكلفة، ويخفض تكلفة إدارة الأزمات بشكل ملحوظ.
تقدم المملكة العربية السعودية نموذجاً نادراً ومتقدماً لهذه المناعة في أصعب الظروف الإقليمية. ففي قلب منطقة تشهد حروباً وتصعيداً مستمراً، يواصل المجتمع السعودي ممارسة حياته اليومية بثقة وطمأنينة ملحوظة. هذا الاستمرار ليس روتيناً يومياً عادياً، ولا دليلاً على عدم وعي بالمخاطر المحيطة، بل تعبير عميق عن بنية اجتماعية متماسكة قادرة على استيعاب الخطر بوعي كامل وتحويله إلى طاقة داخلية دافعة للصمود والتطور المستدام.
يمكن تفكيك هذه المناعة علمياً عبر ثلاثة مستويات مترابطة تشكل حلقة تفاعلية تعزِّز نفسها ذاتياً، حيث تتكامل الثقة المؤسسية والتماسك الاجتماعي والأمان النفسي الجمعي في دائرة واحدة: كل مستوى يغذِّي الآخر ويعزِّزه، مما يحول الضغوط الخارجية إلى قوة داخلية مستدامة. وتدعم الثقة المؤسسية بيانات موضوعية موثوقة عالمياً، إذ أظهر مؤشر إيدلمان للثقة 2026 أن المملكة تحتل صدارة دول العالم في مستوى الثقة بالحكومة بنسبة 89 % - للسنة الثالثة على التوالي. هذه النسبة العالية تعكس يقيناً جماعياً متزايداً بكفاءة المؤسسات وقدرتها على الاستجابة الفعَّالة للتحديات.
كما يتجلَّى هذا التماسك بوضوح في المشاهد الميدانية الكبرى التي توفر أقوى دليل واقعي في زمن التوترات والحروب. فقد بلغ إجمالي قاصدي الحرمين الشريفين نحو 96.638 مليون زائر ومصلٍ ومعتمر خلال العشرين يوماً الأولى من رمضان 1447هـ فقط، رغم التوترات الإقليمية الشديدة والتحديات الجوية والأمنية المحيطة.
استقبل المسجد الحرام وحده أكثر من 57.595 مليون مصلٍ أدوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، إضافة إلى أكثر من 15.605 مليون معتمر. كما تجاوز عدد المعتمرين الدوليين 1.68 مليون من خارج المملكة. وفي ليلة ختم القرآن الكريم (29 رمضان) شهد الحرم المكي وحده أكثر من مليوني مصلٍ في أجواء إيمانية مهيبة.
هذا الانسياب الملحوظ للحشود المليونية ليس مجرد استمرار للعبادة الروتينية أو نشاط ديني عادي، بل دليل حي وقوي على قدرة المناعة الاجتماعية على امتصاص الضغوط الخارجية دون أن يفقد المجتمع توازنه أو ثقته الجماعية.
هذا الانسياب الجماعي للحشود يمنح الدولة قدرة أكبر على التخطيط طويل المدى ومواجهة التحديات الإقليمية بثقة أعلى.
تلعب رؤية 2030 دوراً محورياً وإستراتيجياً في صيانة وتطوير هذه المنظومة غير المرئية. فالرؤية لا تقتصر على التحول الاقتصادي والتنموي فحسب، بل تعمل بشكل واعٍ على تعزيز التماسك الاجتماعي، ورفع كفاءة المؤسسات، وبناء بيئة تنموية شاملة ترفع مستويات الثقة المؤسسية والأمان النفسي الجمعي من خلال برامج التمكين والمشاركة المجتمعية الواسعة. بهذا، تتحول التنمية إلى مسار مستمر لا يتوقف أمام التوترات الخارجية، والاستقرار إلى قوة مضاعفة، ويصبح المجتمع شريكاً فاعلاً يساهم في إنتاج الاستقرار الوطني بطريقة مستدامة.
مع ذلك، يظل تعزيز هذا التوازن باستمرار أولوية إستراتيجية مستمرة. ففي بيئة إقليمية ودولية سريعة التقلب، يتطلب الحفاظ على مستويات عالية من الثقة والتماسك متابعة واعية واستباقية واستثماراً مستمراً.
هذا النهج يعكس رؤية بعيدة المدى تركز على استدامة المناعة الاجتماعية كركيزة أساسية من ركائز الاستقرار الوطني التي تنعم بها المملكة.
في عالم سريع التحول وتتغير فيه موازين القوة بسرعة مذهلة، تثبت التجربة السعودية حقيقة إستراتيجية عميقة: الدول لا تُحمى بالقدرات الصلبة فحسب، بل بالمجتمعات الواعية المتماسكة التي تقف خلفها. والمجتمع السعودي اليوم أصبح أحد أهم الأصول الإستراتيجية غير المرئية قوة ناعمة صلبة في آن واحد. إنه رأس مال اجتماعي إستراتيجي يدعم الدولة من الداخل، ويعزِّز مكانتها الإقليمية كمحور للاستقرار والتنمية المستدامة التي لا تتوقف.
** **
- متخصصة في التخطيط والسياسات الاجتماعية.