يحيى جابر
تأطير الخبر في الحروب لا يقتصر على نقل الحدث العسكري أو السياسي كما وقع، بل يتجاوز ذلك إلى تشكيل الإدراك العام للمتلقي عبر اختيار زاوية التناول وتحديد السياق التفسيري للأحداث، ويُعد هذا المفهوم إحدى الركائز الأساسية في دراسات الإعلام والاتصال، وقد ارتبط علميًا بما يُعرف بنظرية التأطير الإعلامي التي قدَّم أسسها عالم الاجتماع الكندي «إرفنغ غوفمان»، في كتابه تحليل الأطر الصادر عام 1974م، حيث أوضح أن الأفراد يفسرون الواقع من خلال أطر معرفية تحدد معنى الحدث، ثم جاء الباحث الأمريكي «روبرت إنتمن»، عام 1993م، ليقدِّم تعريفًا أكثر دقةً للتأطير في دراسته المنشورة في مجلة الاتصال السياسي، حيث أكد أن التأطير يعني اختيار بعض جوانب الواقع وإبرازها في النص الإعلامي بما يدفع الجمهور إلى تفسير محدد للحدث.
وتشير دراسات تحليل المحتوى الإعلامي إلى أن ما بين 60 % و75 % من الأخبار المرتبطة بالحروب تعتمد على إطار تفسيري رئيسي واحد مثل إطار الصراع أو المسؤولية أو الضحية، وقد كشفت دراسة أجراها معهد رويترز لدراسة الصحافة بجامعة أكسفورد عام 2018م بعد تحليل أكثر من 12 ألف مادة إعلامية عن النزاعات الدولية أن 63 % من التغطيات ركَّزت على البعد العسكري المباشر، بينما لم تتجاوز التغطيات الإنسانية أو الاجتماعية 17 % من إجمالي الأخبار المنشورة.
ويُعدّ التاريخ الإعلامي للحروب شاهدًا واضحًا على تأثير التأطير في تشكيل الرأي العام، ففي أثناء حرب فيتنام لعبت وسائل الإعلام الأمريكية دورًا كبيرًا في تغيير اتجاهات الجمهور تجاه الحرب، فقد أظهرت دراسة لجامعة ويسكونسن عام 1971م، حلَّلت نحو 1600 تقرير صحفي وتلفزيوني أن 58 % من التغطيات ركَّزت على الخسائر العسكرية الأمريكية، في حين لم تتجاوز التغطيات المتعلِّقة بالخسائر الفيتنامية 23 %، هذا النمط من التأطير الإعلامي ساهم في تحول المزاج العام داخل الولايات المتحدة؛ إذ أظهر استطلاع مؤسسة غالوب عام 1971م، أن 61 % من الأمريكيين أصبحوا يرون الحرب خطأً إستراتيجيًا مقارنة بنسبة 24 % فقط عام 1965م عند بداية التصعيد العسكري.
كما برزت ظاهرة التأطير بوضوح في التغطية الإعلامية خلال حرب الخليج الثانية، حيث ركَّزت معظم القنوات الغربية على ما سُمي لاحقًا إطار الحرب النظيفة، وهو إطار إعلامي يبرز دقة الأسلحة الحديثة والتكنولوجيا العسكرية، وتشير دراسة لجامعة كولومبيا عام 1992م إلى أن 72 % من التقارير التلفزيونية ركَّزت على الصواريخ الذكية والتقنيات العسكرية، بينما لم تتجاوز التقارير التي تناولت الآثار الإنسانية للحرب 16 % من إجمالي التغطية الإعلامية، هذا التأطير ساهم في تشكيل تصور لدى الجمهور بأن الحرب تُدار بدقة عالية وبخسائر محدودة.
وفي مثال آخر، خلال غزو العراق لعب الإعلام دورًا مهمًا في تعزيز إطار أمني يرتبط بوجود أسلحة دمار شامل، فقد أظهرت دراسة لجامعة ميريلاند عام 2004م أن 64 % من التقارير التلفزيونية الأمريكية خلال الأشهر الثلاثة الأولى للحرب ركَّزت على موضوع الأسلحة المحظورة، وبعد مرور عام على الحرب، كشفت استطلاعات الرأي أن نحو 69 % من الجمهور الأمريكي كانوا يعتقدون بوجود علاقة مباشرة بين العراق وهجمات 11 سبتمبر، وهو تصور ارتبط بدرجة كبيرة بنمط التأطير الإعلامي في تلك الفترة.
ولا يقتصر التأطير الإعلامي على اختيار الموضوعات، بل يشمل أيضًا انتقاء المفردات المستخدمة في وصف أطراف الصراع، ففي دراسة تحليلية أجرتها جامعة غلاسكو عام 2005م، حول تغطية الصحافة البريطانية للصراع في الشرق الأوسط، تبيَّن أن مصطلح «مسلحين» استخدم في 37 % من الأخبار لوصف أحد الأطراف، بينما استُخدم مصطلح «قوات أمن» في 42 % من الأخبار للطرف الآخر، وهو اختلاف لغوي يعكس إطارًا دلاليًا يؤثِّر في إدراك الجمهور لطبيعة الصراع.
ومع التحول الرقمي وانتشار منصات التواصل الاجتماعي تضاعف تأثير التأطير الإعلامي، فقد أظهرت دراسة أجراها باحثون في معهد ماساتشوستس للتقنية عام 2018م، بعد تحليل 126 ألف خبر متداول عبر منصات التواصل الاجتماعي أن الأخبار المضللة تنتشر أسرع من الأخبار الصحيحة بنسبة 70 %، وأنها تصل إلى جمهور أوسع في زمن أقصر، وهو ما يجعل التأطير الإعلامي في الحروب سلاحًا مؤثِّرًا في الحرب النفسية والإدراكية.
وفي هذا السياق تبرز أهمية الإعلام المسؤول في الدول العربية، ولا سيما في المملكة العربية السعودية، حيث تؤكِّد السياسات الإعلامية الحديثة على تعزيز الوعي المجتمعي ومواجهة الشائعات وحماية الأمن الوطني، وتشير تقارير إعلامية حديثة إلى أن مبادرات التحقق من الأخبار والوعي الإعلامي ساهمت في تقليل تداول الشائعات الرقمية خلال بعض الأزمات بنسبة تقارب 40 %، وهو ما يعكس دور الإعلام المهني في حماية المجتمع من التضليل المعلوماتي.
إن فهم آليات التأطير الإعلامي في الحروب لم يعد مجرد قضية أكاديمية، بل أصبح جزءًا من منظومة الأمن الإعلامي وإدارة الوعي المجتمعي، فالإعلام اليوم لا يكتفي بنقل الحدث، بل يشارك في تشكيل صورته الذهنية لدى الجمهور، ولذلك فإن الالتزام بالدقة المهنية، وتقديم المعلومات الموثَّقة، وتجنب المبالغة أو التهويل، يمثِّل خط الدفاع الأول في مواجهة الحملات الإعلامية المعادية التي تسعى إلى بث الخوف أو نشر الشائعات أو تشويه الحقائق.
من جهة أخرى، نحن مجتمع متعلِّم في الخليج العربي ومطالبون برقابة ذاتية كمتلقين بالانتباه لكثير من الأخبار ومصادرها، والتأطير الذي يحث فيها، سواء في الأخبار التي تُبث في القنوات والصحف المعادية أو من تدعي المهنية، إضافة إلى الشق الآخر في وسائل التواصل الاجتماعي التي لا تخضع لرقابة مسبقة والتي قد تبث وتنتشر مقاطع أو نصوصاً أو معلومات خطيرة ومضللة وغير صادقة.
إن تحليل أي معلومة مهم للغاية، لكي تكون مدركاً لأهمية الخبر والتأكد من أبعاده وهل يعنى بخدمة مكتسبات وطنك ومجتمعك، أم خبر مؤطر يخدم المستفيد من تأطيره لخدمة أجندة ربما تكون معادية، وتريد بث رسائل محددة بغية التضليل.
** **
- تخصص صحافة وإعلام