حسن بن مريّع
كثير منا يعيش في صراع خفي بين ما يملكه في واقعه؛ وبين ما يتمناه في خياله، والحقيقة التي تغيب عن الكثيرين هي أن المشكلة الكبرى ليست في الواقع الصعب الذي نعيشه؛ بل في الرفض المستمر له.
نحن نهرب من يومنا إلى عالم «المفترض»؛ وهو ذلك العالم الخيالي الذي نرسمه في عقولنا بجمال كامل وتفاصيل مريحة؛ ونطالب الحياة أن تتطابق مع هذه الصورة دون أن نعترف أصلاً بوضعنا الحالي.
هذا الهروب يجعلنا نعيش في فقاعة من الأوهام؛ فنبقى عالقين في منتصف الطريق؛ لا رضينا بحاضرنا لنصلحه؛ ولا نحن امتلكنا القدرة على بناء المستقبل الذي نحلم به.
إن أول خطوة في تعطيل العقل عن التفكير والإنتاج هي «اللوم»؛ فبمجرد أن يبدأ الإنسان بإلقاء اللوم على الظروف أو الآخرين أو الحظ؛ فإنه ينقطع تماماً عن فهم حقيقة واقعه؛ ويتوقف عن إدراك ما يجب عليه فعله فعلياً. اللوم هو ذلك الستار الكثيف الذي يحجب الرؤية؛ فمن يلوم غيره لا يمكنه أبداً أن يرى دوره هو في التغيير.
الوعي هو مسؤولية فردية بامتياز؛ ولا أحد في هذا الكون سيوقظنا من أحلامنا أو يغير حالنا إن لم نفعل ذلك بأنفسنا.
تأمل معي حال ذلك الابن الذي يزجره والده عن أمر قد يلحق به الضرر؛ إذا انشغل هذا الطفل بلوم والده والغضب من منعه؛ فإنه لن يفهم الحكمة من هذا الزجر؛ وسيعيش في آلام نفسية شديدة تجاه أبيه؛ وسيشعر بالظلم والقهر الذي لا مبرر له. أما إذا نظر الابن في حاله وفي غاية والده من هذا المنع؛ فإنه سيتعلم ويتطور؛ ولن يشعر بألم القسوة لأنه أدرك المنفعة الكامنة خلفها. هكذا نحن مع أقدار الحياة؛ حين نتوقف عن لوم الظروف والانشغال بفهم الدروس؛ فإننا نسلك طريق النمو والتعلم.
هذا المفهوم يذكرنا بقصة ذلك الشاب الذي كان يقف كل صباح أمام نافذته؛ ينظر إلى حياته كأنها عار لا ينتمي إليه ولا يشبه طموحه. كان يريد حياة أوسع ونتائج أسرع؛ وظن أن مشكلته هي الواقع؛ ولكن مشكلته الحقيقية كانت في العيش داخل الافتراضات. إن الذي يعتاد العيش في الخيالات ينسى مع الوقت كيف يتعامل مع الحقيقة الصامتة؛ وبمجرد أن تضطره الظروف للعودة إلى أرض الواقع؛ فإنه سيشعر بالرعب والخوف الشديد. بسبب الفجوة الهائلة بين ما اعتاد عليه في خياله الناعم وبين ما يراه أمام عينيه من حقائق قد تكون خشنة أو متعبة.
عندها يقع في فخ جديد؛ فبدلاً من أن يبدأ العمل؛ يدخل في دائرة من الرفض فينتقد كل شيء؛ ويلوم كل أحد؛ ويبقى واقفاً في مكانه دون أدنى تقدم. لا هو استطاع التخلص من ألمه؛ ولا الوصول إلى أهدافه؛ لأنه ببساطة لا يملك أرضاً صلبة يقف عليها.
الواقع ليس نهاية الطريق؛ بل هو البداية الوحيدة الممكنة؛ ومن يحاول القفز فوقه سيسقط.
الحلم الجميل لا يتجسد في الهواء؛ بل يحتاج إلى واقع متين؛ والفرق بين القبول والاستسلام هو الفرق بين إنسان يرى ما عنده ليبني عليه؛ وإنسان يظل في مكانه يكرر شكواه.
لنبدأ من حيث نحن؛ ولنقبل حياتنا كما هي اليوم لكي نمتلك القوة لتغييرها غداً.
فالذي يفهم حاضره بصدق؛ هو الوحيد الذي يملك مفتاح المستقبل.