د. محمد بن أحمد غروي
مع تطور الأحداث واستمرار حرب الشرق الأوسط وتصاعد الصراع في منطقة الخليج العربي وإغلاق مضيق هرمز، تتعرض شرق آسيا وجنوب شرق آسيا لأزمة كبرى تطال اقتصادها وطاقتها، جعلت جميع دول منطقة آسيا تتجه لاتخاذ إجراءات خاصة لمواجهة الأزمة التي تقترب من شهرها الأول حتى الآن.
وأدت الحرب وإغلاق مضيق هرمز إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط العالمية، إذ يمر عبر مضيق هرمز، نحو خُمس استهلاك العالم اليومي من النفط. وقد تأثرت العديد من دول جنوب شرق آسيا وظهرت تبعات ذلك من خلال عدة سياسات بدأت دول آسيان في اتخاذها. كما طالها أحد الهجمات الإيرانية في مضيق هرمز، إذ تعرضت إحدى السفن التايلاندية لهجوم إيراني في أوائل مارس. بينما كشفت تقارير اقتصادية حديثة عن وضع رابطة دول آسيان في دائرة الخطر، حيث صُنفت الفلبين وفيتنام وماليزيا كأكثر ثلاث دول عرضة لمخاطر توقف الإمدادات الناتجة عن النزاع القائم في غرب آسيا، حيث سجلت ماليزيا نسبة تعرض لواردات النفط الخام بلغت 69 %، لتأتي في المرتبة الثالثة بعد الفلبين (95 %) وفيتنام (88 %).
أعلن الرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس الابن في 24 مارس عن حالة طوارئ وطنية في قطاع الطاقة، محذراً من أن تصاعد التوترات في الشرق الأوسط قد يُعطّل إمدادات النفط العالمية ويرفع أسعار الوقود والكهرباء في البلاد. وتشمل التدابير دعم الوقود لقطاعات رئيسية مثل سائقي النقل العام، وتشديد الرقابة لمنع الاحتكار والاستغلال، وتسريع الموافقات على مشاريع الطاقة.
تعد فيتنام من بين أكثر الدول تضرراً من اضطرابات إمدادات الوقود، نظراً لاعتمادها الكبير على واردات الطاقة من الشرق الأوسط. ولمواجهة نقص الإمدادات اقترحت وزارة المالية الفيتنامية إلغاء الرسوم الجمركية على الوقود المستورد حتى نهاية شهر أبريل، وذلك لدعم الشركات في تأمين مصادر الإمداد الخاصة بها بشكل استباقي.
كما حثت وزارة التجارة الشركات المحلية على تشجيع موظفيها على العمل من المنزل في إطار جهود ترشيد استهلاك الوقود.
وفي إندونيسيا، حث الرئيس برابوو سوبيانتو على خفض استهلاك الوقود وحذر أن ارتفاع أسعار النفط سيؤثر على أسعار المواد الغذائية، وأكد أن الحكومة تراجع التدابير الممكنة لترشيد استهلاك الوقود. كما ستبدأ إندونيسيا في تطبيق إجراءات تشمل ترشيد استهلاك الغاز، وإجراء تقييمات تشغيلية في جميع قطاعات الطاقة.
أما تايلاند التي تمر نصف وارداتها من النفط الخام حالياً عبر الخليج العربي، فقد أعلنت الأسبوع الماضي عن تأمينها إمدادات نفطية تكفي لشهرين، لكنها علقت الصادرات للحفاظ على الاحتياطيات، وحددت الحكومة سقفًا لسعر الديزل بحيث لا يتجاوز 30 باتًا للتر الواحد (1 دولار تقريبًا) لمدة 15 يومًا. رغم ذلك ألزمت الحكومة موظفيها للتحول للعمل عن بُعد إن أمكن، وفرضت على المكاتب الحكومية ضبط مكيفات الهواء على 26 درجة مئوية توفيرًا للطاقة.
في ماليزيا أعلن رئيس الوزراء أنور إبراهيم أن مخزون المنتجات البترولية في البلاد يكفي حتى مايو 2026 على الأقل، لكنه أعلن بعض إجراءات التقشف، بما في ذلك تقييد سفر الوزراء إلى الخارج، وتقليص احتفالات عيد الفطر في الدوائر الحكومية. وكشف عن قفزة في الدعم الحكومي لأسعار الوقود، إذ ارتفعت من 700 مليون رنجت إلى 3.2 مليار رنجت خلال أقل من أسبوع واحد فقط. واستجابةً لهذه الضغوط، رفعت الحكومة أسعار الوقود غير المدعوم، وخفضت كمية البنزين المدعوم لكل مواطن.
ورغم تصريحات وزير الطاقة الكمبودي، كيو راتاناك، بأن المملكة لا تزال تتلقى واردات منتظمة من الوقود وأنها تحتفظ باحتياطيات كافية تكفي لمدة 21 يومًا تقريبًا، فإن الحكومة الكمبودية كثّفت الرقابة على سوق الوقود وحذّرت مشغلي محطات البنزين من التلاعب بالأسعار. وطبقت كمبوديا، التي تعتمد كلياً على الديزل والبترول المستوردين، تدابير لتوفير الطاقة مثل الحد من استخدام مكيفات الهواء في الوزارات، وتقليل عدد الاجتماعات.
لازالت تعتمد سنغافورة على الغاز الطبيعي لتوفير نحو 95 % من احتياجاتها من الكهرباء، فتتوقع ارتفاعًا لأسعار الكهرباء في الأشهر المقبلة، لكن الحكومة تؤكد استمرار أمن الطاقة في البلاد، مع مجيء نحو نصف احتياجات البلاد من الغاز عبر خطوط أنابيب إقليمية، وكونها تستورد الغاز الطبيعي المسال من مصادر متنوعة. ورغم ذلك حث الوزير المسؤول عن الطاقة الأسر والشركات على ترشيد استهلاك الكهرباء واستخدام أجهزة أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة.
في المحصلة، تكشف الأزمة الحالية عن هشاشة أمن الطاقة في آسيا واعتمادها الكبير على ممرات بحرية حساسة، ما يدفع تلك الدول إلى تسريع سياسات التنويع وترشيد الاستهلاك لمواجهة تداعيات قد تطول.