صالح الشادي
من مواطن عربي إلى جيرانه في إيران. لا مجاملات، لا شعارات رنانة. سأقول ما أراه، لأن الصمت ليس خياراً، ولأن الجار لا يصمت على جاره وهو يحترق.
نحن لسنا غرباء. جيران في الجغرافيا، شركاء في تاريخ طويل، فيه تعاون وفيه صراع، وفيه أيام من السلام وأيام من الحرب. نختلف في المذهب، وهذا الاختلاف لن يزول، لكنه لم يمنع من سبقنا من أن يتاجروا ويتزاوروا ويعيشوا في كنف واحد. المشكلة اليوم ليست في هذا الاختلاف. المشكلة في نظامكم القائم الذي حوّل بلدكم العريق إلى مشروع توسعي باسم الدين. نظام أهمل اقتصادكم، وجوعكم، وأفقركم، وسخّر ثرواتكم النفطية والغازية لمليشيات في بغداد ودمشق وصنعاء وبيروت. نظام أعدَم أحلام شبابكم في ساحات لا ناقة لكم فيها ولا جمل، وزج بفلذات أكبادكم في مستنقعات لا أول لها من حكمة ولا آخر من نصر.
اسألوا أنفسكم بصدق: ماذا جنيتُم من كل هذا؟ حروب لا تنتهي، عقوبات خانقة تطال دواء أطفالكم وخبزكم اليومي، عملة تتهاوى أمام أعينكم، وأبناء يغادرون البلاد بأعداد قياسية بحثاً عن هواء نظيف وعمل كريم. أين رفاهيتكم التي وُعدتم بها؟ أين الأمن الذي هشّمتم من أجله؟ أين مستقبل أولئك الأطفال الذين ينظرون إليكم بعيون تسأل: لماذا نحن جائعون والجيران يأكلون؟ لماذا نحن خائفون والعالم نائم؟.
نحن نعلم أنكم مقيدون. نعلم أن قبضة النظام على حنجرة كل من يفكر أو يختلف لا ترحم. نتابع بألم حصيلة الإعدامات التي تزهق أرواح شباب لا ذنب لهم سوى أنهم حلموا بوطن مختلف. لكننا نعلم أيضاً أن الصمت له حدود، وأن الجوع يعلم الناس دروساً لا تعلمها الخطب.
ثم جاءت الحرب الأخيرة على إيران. ضربات واغتيالات وتصعيد عسكري غير مسبوق. بغض النظر عمن بدأ، ومن أخطأ أولاً، النتيجة واحدة وحدها التي تبقى: أنتم من تحترقون. بيوتكم تهتز، مدنكم تستيقظ على أصوات الانفجارات، اقتصادكم الذي كان يئن أصبح على حافة الهاوية. منظومات الدفاع التي أنفق عليها المليارات لم تحمِ سماءكم، والمشاريع التوسعية التي راهن عليها نظامكم لم تحمِ أرضكم. هذه الحرب لم تأتِ من فراغ؛ بل هي كشف حساب مؤلم لسياسات استفزت الجميع، وأرَّقت الجيران، وأرقت العالم.
والكارثة الأكبر أن المستقبل سيكون أسوأ. تخيلوا السنوات القادمة: عقوبات أشد إيلاماً، فقر أعمق يضرب كل بيت، عزلة دولية تجعل من المستحيل على أي دواء أو غذاء أن يدخل إليكم بسهولة، وجيل كامل من الشباب يقرر أن الوطن ليس مكاناً للعيش بل مكاناً للهروب. من يدفع الثمن؟ ليس قادتكم في قم ومشهد. أنتم. أبناؤكم. نساؤكم. كباركم. أنتم وحدكم من ستنزفون دماءً واقتصاداً ومستقبلاً.
علاقتنا بكم كجيران لم تكن يوماً بهذا السوء. كلما مددنا يداً للسلام أو التهدئة، وجدناكم تمدون يداً أخرى لقلب الأوضاع عندنا، أو تزرعون فتنة حيث نريد أماناً. الثقة التي كانت بين الأسلاف ضاعت اليوم، ولن تعود بسهولة. نحن لا نريد عداوة أبدية، ولا نريد أن نعيش بجوار جار مسلح علينا. لكننا أيضاً لن نقبل بأن نكون ساحة لصراعاتكم، أو أدوات في مشروع لا يخدمنا ولا يخدمكم. الطريق إلى علاقة طبيعية واضح: توقفوا عن التدخل في شؤون جيرانكم، واهتموا بداخلكم. جار لا يؤذي جاره، وجار لا يموت جوعاً وجاره بجواره. هذا ليس كثيراً، هذا أقل القليل.
أيها الإيرانيون، الفرس، الأكراد، العرب، البلوش، أهواز. هذه بلادكم. هذا مستقبلكم. أنتم من ستعيشون فيه أو تهاجرون منه. الحياة دروس، والحرب الأخيرة كانت أقسى درس وأصدقه. النظام الذي يقودكم لا يبالي بدمائكم ولا بجوع أطفالكم. أنتم من يدفع الثمن كل يوم، لا نطلب منكم أن تحبونا، ولا أن تتفقوا معنا في المذهب أو الرأي. فقط أن تختاروا الحياة. فقط أن تختاروا أبناءكم. فقط أن تقولوا كلمة: «كفى». فهل أنتم فاعلون؟.