منصور بن صالح العُمري
إنَّ المتأملَ في سننِ الأكوانِ وفي نصوصِ الوحيِ المطهَّر، يدركُ يقيناً أنَّ اللُّحمةَ الوطنيةَ واستتبابَ الأمنِ تحتَ رايةِ ولاةِ الأمورِ ليست ترفاً فكرياً، بل هي أصلٌ من أصولِ الاعتقادِ، وقاعدةٌ كبرى استندَ إليها سلفُنا الصالحُ في حمايةِ الضروراتِ الخمس. وقد تضافرتِ الآدابُ الشرعيةُ معَ المروءةِ العربيةِ لتقررَ أنَّ أمنَ الجماعةِ هو الوعاءُ الذي يُحفظُ فيه الدينُ وتُصانُ به الأنفس، لاسيما في أزمنةِ الفتنِ التي يكثرُ فيها المرجفون.
بيدَ أنَّ العجبَ لا ينقضي من فئةٍ عمِيَتْ بصائرُها، فاستبدلتْ ببردِ اليقينِ نارَ الشكوك، فتمالأتْ مع عدوِّ وطنِها، وأسلمتْ له القيادَ في ليلٍ بهيم. وباعت كرامتها لتكون خلاياً نائمة تعمل لصالح العدو ، وصدق من سماها نائمة.
إنَّ هؤلاءِ الذين يرتضونَ لأنفسهم دورَ «الأداة» في أيدي الطامعين، إنما يرتدونَ ثيابَ «الخيانةِ العظمى» التي لا تستر، ظناً منهم أنَّ في أحضانِ الخصومِ عزاً أو مأمناً. وما درى هؤلاءِ الحمقى أنَّ مَن هانَ عليه وطنُه الذي آواه، هانَ بالضرورةِ على العدوِّ الذي استخدمَه؛ فالتاريخُ يخبرُنا بلسانٍ فصيحٍ أنَّ «الخائن» هو أولُ مَن تدورُ عليه الدوائر، إذ لا عهدَ لغادر، ولا ميثاقَ لمَن باعَ أهلهُ بثمن بَخس.
ولقد صوّرَ الأدبُ العربيُّ قديمهُ وحديثُه هذا المعنى في أسمى صوره؛ فالدارُ هي العِرْض، والوفاءُ لها من شيمِ الكرامِ التي لا تحولُ ولا تزول. وكما قالَ الشاعرُ قديماً:
بلادي وإن جارت عليّ عزيزةٌ..
وأهلي وإن ضنوا عليّ كرامُ
فإذا كانَ هذا القولُ في حالِ الجفاءِ العارض، فكيفَ بحالِ الرخاء والسندِ الذي نعيشُه؟ لقد أنِفَتِ العربُ بالفطرةِ من الغدر، ورأتْ في «السموأل» رمزاً للوفاء بالعهدِ حتى في أحلكِ الظروف، بينما جعلت من «أبي رغال» رمزاً للخيانةِ يُرجمُ قبرُه أبدَ الدهر. إنَّ الأدبَ العربيَّ لم يتركْ للخائنِ شبرَ أرضٍ يقفُ عليه، بل جعلَ من حبِّ الأوطانِ ، ومن الذودِ عن حياضِها شرفاً يطاولُ النجوم.
إنَّ أمنَ الأوطانِ ولُحمتَها هما الحصنُ الأخيرُ للكرامةِ الإنسانية، والمزايدةُ عليها هي انتحارٌ معنويٌّ وتاريخيّ. فالوطنُ ليس مساحةً جغرافيةً فحسب، بل هو «محرابُ وفاءٍ» لا يقبلُ من أهلِه إلا الصدقَ لزوماً لغرزِ الجماعةِ، والتفافاً حولَ القيادةِ الشرعية، وصداً لكلِّ يدٍ تحاولُ العبثَ بهذا الكيانِ العظيم. فليعلمْ كلُّ مغررٍ به أنَّ الغريبَ لن يكونَ يوماً أحنَّ من القريب، وأنَّ سقفَ الدارِ مهما علا، فبقاءُ أركانِه رهنٌ بوفاءِ سكّانِه.
اللهم يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، يا من بيده ملكوت كل شيء وهو على كل شيء قدير، نستودعك عقيدتنا ووطننا الغالي «المملكة العربية السعودية» وسائر بلاد المسلمين.
اللهم احفظ بلادنا وبلاد الخليج الشقيقة، واجعلها واحة أمنٍ وأمان، وسنداً لبعضها البعض في الملمات. اللهم جنبنا الفتن، ما ظهر منها وما بطن، واكفنا شر الأشرار وكيد الفجار، ومن أراد بنا وبأوطاننا سوءاً فأشغله في نفسه، ورد كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا رب العالمين.
اللهم بصّر أبناءنا وبناتنا بمكائد الأعداء، وافتح على قلوبهم بنور الوعي والحكمة، ليكونوا سداً منيعاً وحصناً حصيناً أمام كل مرجفٍ أو خائن. اللهم ارزقهم الثبات على الحق، والالتفاف حول جماعتهم، والاعتصام بحبل الوفاء لوطنهم وقادتهم.
اللهم احفظ قادتنا وولاة أمرنا، وأيدهم بتوفيقك، وسددهم في أقوالهم وأفعالهم، واجعلهم رحمةً لرعاياهم، وقوةً على أعدائهم.
اللهم احفظ رجال أمننا البواسل، المرابطين على الثغور والساهرين على العهود، اللهم ثبت أقدامهم، وقوِّ عزائمهم، واحرسهم بعينك التي لا تنام.
اللهم بارك في كل مخلصٍ يؤدي دوره بوعيٍ وشرف، وفي كل قلمٍ يذود عن الحقيقة، وفي كل يدٍ تبني ولا تهدم. اللهم أدِم علينا نعمك الظاهرة والباطنة، واجعلنا ممن شكر فزدته، وصبر فنصرته، وتوكل عليك فكفيته.
آمين، آمين.. والحمد لله رب العالمين.