محمد سليمان العنقري
الاهداف المعلنة هي الملف النووي والأسلحة الهجومية والسلوك السياسي التخريبي لايران خارجياً، لكن ذلك ليس جديداً، وكان يمكن التعامل معه منذ سنوات قبل أن تنضج هذه المشاريع عند إيران، وتحتاج لعمل كبير له تبعاته وتداعياته حتى لو كانت لفترة مؤقتة هذا العام، إلا أن السكوت عنه ظاهرياً كان لتحقيق أهداف بالمنطقة ولاستنزاف إيران أيضاً بتقليص حجم التنمية فيها لصالح مشاريع يتم تدمير مقوماتها حالياً.
أما على صعيد الاثر الاقتصادي للعمليات الحالية فليس بجديد أن يطل علينا أي مركز أبحاث او بنك عالمي او خبير اقتصادي دولي ليقول إن هذه الحرب التي تقع في أكثر مناطق العالم تأثيراً بالاقتصاد العالمي أنها تسببت مع ارتفاع أسعار الطاقة ونقص امدادات النفط والغاز والأسمدة وغيرها من المشتقات النفطية وستؤدي لركود تضخمي لو استمرت لشهر اخر ووصلت اسعار النفط الى 150 دولار معتبرين انها ازمة غير مسبوقة في تاثيرها وتداعياتها الاقتصادية ويلاحظ ذلك من خلال قرارات تقنين استهلاك الطاقة والوقود بعدة دول كما بدات اسعار بعض السلع ترتفع عالمياً بسبب ارتفاع اسعار الشحن في كثير من دول العالم اما في اميركا فبالتأكيد كان هناك اثر ملموس رغم انها لا تعاني نقصا بامدادات الطاقة فهي اكبر منتج لها وتستورد باقي احتياجها من جيرانها كندا وفنزويلا اي لا تعتمد اطلاقا على النفط من الشرق الاوسط الا بنسبة ضئيلة قد تصل الى 1 بالمائة ومع ذلك ارتفع سعر الوقود باميركا لارقام كبيرة جداً وتبعه اثر في غلاء العديد من السلع الاستهلاكية
أما رسميا، فقد أوضح رئيس الاحتياطي الامريكي جيروم باول أن هذه الحرب لها تاثيرها في التضخم، قائلاً إنه لا يعرف اثار الوضع الحالي على الاقتصاد لكن يبقى هناك سؤال واحد فقط تندرج تحته كل الاسئلة التي تبحث عن التفاصيل وهو اذا كانت اميركا المعروفة بدقة توقعاتها الاقتصادية وتعد مرجعية عالمية في ذلك بآلياتها التي تبني عليها تقديراتها لاثر وتكلفة كل قرار وخطوة تتخذها خصوصاً الحروب، وذلك نتيجة الخبرة الهائلة ولامتلاكها اكبر مراكز الابحاث المتقدمة بكافة المجالات خصوصاً الاقتصادية فلماذا تخوض حرباً معروف بديهياً ان ستؤدي خلال نشوبها وبعد توقفها لفترة قصيرة او متوسطة لغلاء بالاسعار وتاثير على انفاق المستهلك الذي يعد اهم ركيزة في نمو ونشاط الاقتصاد الامريكي ويؤثر بحوالي 70 بالمائة من الناتج الاجمالي الذي يتخطى 30 تريليون دولار سنوياً ؟
كما ان هذه التداعيات للحرب سترفع التضخم وبالتالي تغير خطط الفيدرالي بخفض الفائدة الى الاستعداد لرفعها مجدداً وهو ما يتناقض مع واقع سوق العمل الضعيف حالياً والذي عادة ما يكون الدافع الأكبر لخفض الفائدة في حال ارتفاع البطالة لانه المؤشر الاهم الذي يعكس تباطؤ الاقتصاد.
من هنا لابد ان يكون التحليل أعمق في فهم كل توجهات أميركا في السنوات العشر الماضية على أقل تقدير؛ لأنه ظهر في توجهات وقرارات كانت صادمة بتحركات سياسية مفاجئة وبقرارات لاعمال عسكرية غير متوقعة بحجمها وطريقتها عالمياً ولا يستثنى من ذلك الحزبين الحاكمين؛ فسواء كان الرئيس ديمقراطيا او جمهوريا فإن تحركهم الخارجي يأتي ضمن سياق اهداف استراتيجية لا يحيدون عنها انما الاختلاف بالعمل المرحلي والتكتيك المتبع لتحقيق اهداف كل مرحلة ففي عهد كلينتون بدا التأسيس لنشر الفوضى في الشرق الاوسط بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وتحول دول اوروبا الشرقية عن المعتقدات والايديولوجية الاشتراكية والشيوعية السابقة، فبدا معها التأسيس للتغيير أيضا في ما تبقى من دول قريبة من النهج السوفيتي، ثم جاء بوش الابن ليقوم بحربين احتل فيهما افغانستان والعراق معلناً بذلك مشروع الفوضى الخلاقة، واكمل اوباما المهمة مع استخدام ادوات معروفة لتكريس الفوضى وبقدر ما غضوا النظر عن ايران بالسماح لها بالتمدد لعدة دول ضربتها الفوضى فانهم كانوا ايضا يستنزفوها لانها هدف مستقبلي لتغيير نهجها السياسي الثوري التخريبي لتكون معهم في مواجهة مشروع الحزام والطريق الصيني كونها احد أطراف الارض المهمة للاختراق الجغرافي لآسيا الوسطى..وكدليل على أنه لا تختلف فترة او حزب عن غيره فقد تدرب الامريكيون حسب ما اعلن رئيس الاركان ووزير الحرب في صيف 2025 بانهم نفذوا عمليات محاكاة لقصف مفاعلات ايران في عام 2014 اي بعهد اوباما والتي نفذوها بقنابل خارقة اعدت لها.
وفي عهد ترمب، بولايته الولى اسس لمرحلة جديدة بمواجهة ايران فانسحب من الاتفاق النووي، وهو ما كان أساساً موجوداً بالاتفاق الذي وقعه اوباما، اي هناك باب للخروج وتحويل المسار لمواجهة عسكرية وليس اقتصادية او سياسية فقط وفي عهد بايدن انطلقت عمليات تحجيم المشروع الايراني ويكمل ترمب باقي المهمة حالياً ان كل هذه النقاط المذكورة سريعا مع ما تم الاستعداد له عبر سنوات قاربت العشرين لهذه المواجهة، تدل أن هناك مكاسب أكبر بكثير تسعى لها أميركا وأن التكلفة الحالية تعد ثمناً زهيداً قياساً بمنافع المستقبل..
ومن هنا، فإن أهم مكاسب اميركا ليست فقط اقتصادية بل وجودية على رأس هرم الاقتصاد العالمي؛ فالصين تسيطر على قرابة 18% من التجارة الدولية وبدات تدريجياً تتحول لتعاملاتها مع الدول التي انضمت لمبادرة الحزام والطريق باليوان عملتها الوطنية وذلك في تقليص تدريجي لتعاملات الدولار دولياً الذي يعد « حجر سنمار « في بقاء الاتحاد الفيدرالي الامريكي قائماً فاذا فقدت اهميته ستدخل اميركا في مخاض عسير لا يعرف نهايته كيف ستكون اضافة الى ان ما تقوم به وما اعلن عن تحركها نحو وضع خارطة اميركا الشمالية الكبرى التي تضم عدة دول تتشارك معها بالامن القومي بكل ابعاده يدل على التاسيس للمواجهة مع الصين وحتى اوروبا مستقبلا التي تعد نداً لها وتلمح اميركا للابتعاد عنها بل وحتى اعادة النظر بدورها بحلف الناتو وتسعى لتشكيل تحالفات جديدة عالمياً..
إن الثمن الحالي للحرب لا يقتصر على تكلفة العمليات العسكرية بل الاثر بالاقتصاد، لكن عند مقارنته بالهدف الأكبر لتحد وجودي لاميرما كأكبر قوة اقتصادية يعد ثمناً زهيداً جداً وهو ما يجعلها تتحمل التبعات الحالية؛ لأن الأهداف المستقبلية أكثر أهمية وأبلغ في المكاسب حتى وان كانت النتائج ليست مضمونة بالمطلق، لكن يبدو أن الامريكيين قرروا اتخاذ كل هذه الخطوات لأنه لابديل عنها وإلا سينطبق عليهم قول الرئيس بايدن حسب ما نسب له بأننا «ان لم نتحرك ضد الصين فإنها ستأكل عشاءنا»