رسيني الرسيني
مشاهد فرحة العيد في الشوارع، وازدحام الأسواق، واستمرار الرحلات والسفر والفعاليات العائلية، عكست صورة مختلفة تمامًا عما قد يتوقعه المراقب من خارج المنطقة في ظل أجواء إقليمية متوترة. فقد عاش الناس طقوسهم المعتادة، من زيارات وصلاة واحتفالات، وكأن الاقتصاد يبعث برسالة طمأنينة قبل أي تصريح رسمي. فحين تستمر دورة الحياة اليومية بهذا الانتظام، يتولد شعور عميق بالثقة لدى المجتمع بأن الاستقرار ليس ظرفًا عابرًا، بل نتيجة منظومة متكاملة من التخطيط والإدارة. وفي مثل هذه الظروف، يصبح السؤال الاقتصادي الأبرز: ماذا يعني أن تمر البلاد بظروف إقليمية حساسة دون أن تتأثر حياة الناس أو تتعطل حركة الاقتصاد؟
اقتصاديًا، استمرار الحياة الطبيعية في ظل التوترات الإقليمية يعني أن مؤشرات الثقة في الاقتصاد الوطني ما تزال قوية. فالثقة المجتمعية تعد من أهم الأصول غير الملموسة التي يعتمد عليها النمو الاقتصادي، لأنها تؤثر في الاستهلاك والاستثمار وقرارات الادخار والإنفاق. وعندما يشعر المواطن والمقيم بأن الخدمات مستمرة والأسواق مستقرة والوظائف آمنة، فإن ذلك ينعكس مباشرة على نشاط القطاع الخاص واستقرار الدورة الاقتصادية. كما أن هذا الاستقرار يبعث برسائل إيجابية للمستثمرين الدوليين بأن بيئة الأعمال في المملكة تتمتع بقدرة عالية على إدارة المخاطر. وفي عالم الاقتصاد، لا تقاس القوة فقط بحجم الناتج المحلي، بل بمدى قدرة الدولة بالحفاظ على الاستقرار الداخلي في أوقات الطوارئ.
اللافت أن المملكة لم تكتفِ فقط على حماية استقرارها الداخلي، بل لعبت أيضًا دورًا لوجستيًا مهمًا في دعم استقرار المنطقة. فقد عززت خطوط الإمداد البديلة لنقل النفط والبضائع، ومن أبرزها خط أنابيب تصدير النفط عبر البحر الأحمر بعيدًا عن الممرات المزدحمة بالمخاطر. كما استمرت المطارات السعودية في استقبال الرحلات وتحويل مسارات الطيران لبعض الدول المجاورة وتسهيل حركة الشحن الجوي والبحري والبري، فعلى سبيل المثال: عبرت أكثر من 52 ألف شاحنة من السعودية إلى الخليج محملة الغذاء والدواء وغيره من البضائع لتعويض نقص الإمدادات. بالإضافة إلى استقبال العالقين وتقديم تسهيلات إنسانية ولوجستية، ما عزز دور المملكة كمركز إقليمي للاستقرار الاقتصادي لا يحمي نفسه فقط، بل يسهم في حماية محيطه أيضًا.
في عالم الأعمال، تعتمد الشركات الكبرى على ما يُعرف باختبارات الضغط لتقييم قدرتها على مواجهة أسوأ السيناريوهات المحتملة. وما تشهده المنطقة اليوم يمكن اعتباره اختبار ضغط عملي لاقتصادات دول الخليج، التي أثبتت أنها أكثر استعدادًا للتعامل مع الأزمات بسبب الإصلاحات الاقتصادية وتنويع مصادر الدخل وتعزيز الاحتياطيات المالية.
لقد أظهرت هذه الاقتصادات قدرة على الحفاظ على استقرار الأسواق المالية، واستمرار المشاريع التنموية، وضمان تدفق الإمدادات والخدمات، كما لعبت الحكمة السياسية والتنسيق الإقليمي دورًا في تقليل أثر التوترات على الاقتصاد.
وفي النهاية، فإن اجتياز مثل هذه الاختبارات يعزز مصداقية هذه الدول عالميًا، ويؤكد أن الاستقرار الاقتصادي ليس صدفة، بل نتيجة رؤية وإدارة حكيمة.
حسنًا، ثم ماذا؟
تثبت حكمة المملكة أن الاستقرار الاقتصادي في زمن الأزمات ليس شعارًا بل ممارسة واقعية نعيشها ولله الحمد.