عبدالعزيز صالح الصالح
لقد ورد ذكر الطير في كتاب الله الكريم في أكثر من آية وسورة، وهذا دليل واضح، وبيان ناصع، على أهمِّيَّة قيِّمة ذلك الطير، حيث جاء في محكم كتابه العزيز: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} (38) سورة الأنعام.
فالطير يعتبر جند من جنود الله تعالى ومن ملائكته التي يسخرها بأمره، فقد سخر الله سبحانه وتعالى جنده من الطير، للقضاء على أبرهة الأشرم، عندما قد إلى مكة المكرمة لهدم الكعبة المشرفة، قبلة المسلمين.
كما قال الحق تبارك وتعالى في محكم كتابه الكريم: {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ*تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ*فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} (3-5) سورة الفيل.
فالشعر لا يخلو من إحساس مرهف، وشعور رقيق يُجيش بأحلام رائعة، حيث لا يوجد في هذه شيء.. أبهى وأجمل إلى النفس البشريَّة.. ولا أجمل وقعاً ولحناً على المستمع من زقزقة الطيور أو صدح بلبل ينزف عذوبة ورقة.. وتنساب قطراتها فوق الرياحين والأزهار والأشجار، مع إطلالة كل صباح ومساء، ويزرع الأمل والسرور والهناء والسعادة داخل القلوب.
فقد قال الشاعر الحكيم جبران خليل جبران وهو يتمنى أن يكون حراً طليقاً بدون قيود كطائر الشحرور، الذي يتنقل بين الجبال والأودية، والسهول، والوهاد، والفيافي:
أيها الشحرور غرَّد
فالغنا سرُّ الوجود
ليتني مثلك حرّ
من سجون وقيود
ليتني مثلك روحاً
في فضا الوادي أطير
تلك الأمنية التي يتوق إليها جبران وغيره من شعراء العربيَّة، ما هي إلاَّ مرآة عاكسه لإحساس بهدر في أعماق هؤلاء الشعراء، يجسد حقيقة الإفلات من القيد والظلم فقد قال الشاعر أبو القاسم الشابي وهو يجسد رموز أحلامه الشاعرة على طيف النسيم ونور الضحى، وشدو الطير وحركته بين الأشجار والورود والأزهار قائلاً:
خلقت طليقاً كطيف النسيم
وحيداً كنور الضحى في سماه
تغرَّد كالطير أين اندفعت
وتشدو بما شاء وحي الإله
وتبرح بين ورود الصباح
وتنعم بالنور أنى تراه
فقد أشاد الشاعر الشابي إشارة واضحة المعالم، عن الطير الذي شد أحاسيسه النبيلة، ومشاعره الجيَّاشة، وعواطفه الرقيقة. فالشعر عن الطير لا يكاد يقف عند حد معين، بل أخذ، الحديث عن جمال الطير وحسن منظره وعذوبة صوته، حتى أصبح الطير في لغة الشعر رمزاً واضحاً من رموز الجمال في الطبيعة فالطير له صداقة حميمة، وروابط وثيقة العرى، مع أدب البراعم الناشئة، شعراً ونثراً، وكان الطير عند بعض البشر، له دلالات قاطعة على مؤانسة الحياة، ويتخذون الطير خير معلم لهم في حياتهم.
وللطير رحلة طويلة يرفرف من خلالها في سماء الطفولة البريئة، وكأنه يمطر عليهم قيماً وأفكاراً ثمينة، بدعاية موسيقية تبث من خلالها أجمل آيات الحب وأسمى معاني البراءة، حتى يركلوا التشاؤم والتباغض والأحقاد جانباً، فينظروا إلى ذلك الطير بنظرة فرح وسعادة في حياتهم رغم ما يُحدق بها من أخطار، فهو يشدو مع بزوغ كل صباح، فيطرب صوته مسامع البشر، حيث يبث لهم أفكاره وهمومه وعواطفه الإنسانيَّة، يغني لهم بألفاظ رشيقة وعذوبة أنغامه، وحلاوة صوته الجميل، وعذوبة البراءة والصفاء والود والوفاء، فقد حظي الطير بأكبر قدر وأوفى نصيب من الشعر.