محمد العبدالوهاب
يوم الأربعاء الماضي كتبت في مقالي أن تجربة اللعب مع المنتخبات الكبيرة (ودياً) مفيدة بصرف النظر عن النتيجة، طالما أنها ستكشف للمدرب الثغرات الفنية والأخطاء التكتيكية، خصوصاً في هذه الفترة التي تشهد فيها الكرة السعودية مرحلة انتقالية فرضت عليها الاستعانة بوجوه واعده تنضم للمنتخب لأول مرة، وبالتالي تحتاج للانسجام مع نجوم الخبرة السابقة لخلق توليفة متجانسة نعقد عليها الآمال بإعادة أمجاد المنتخب.
- ولكن، فجأة وبدون سابق أعذار ظهرت أصوات مضادة لمجرد خسارة المنتخب بنتيجة كبيرة، وكل يدلو بدلوه، لا المقنع فيها بطرحه ولا المتميز بجودة نقده! جميعهم يطالبون بالإطاحة بالمدرب لكونه الحلقة الأضعف والشماعة المعتادة!
متناسين المتسبب والمساهم في صدارة هذا الإخفاق ومنذ أعوام، سواء مجلس إدارة الاتحاد السعودي لكرة القدم أو لجانه المعنية بهذا الشأن؟!
على اعتبار أن أسهل الحلول وأيسر المخارج في مثل هذه الظروف رمي الجمل وبما حمل على المدرب -الذي ليس في يديه فوز ولا خسارة- في الوقت الذي يضع فيه رجلاً فوق الأخرى، غير مبال بتلك المراشقات الإعلامية التي لا يطاله منها سوى صوت الفرقعات! والتي لم يسلم منها أحد في الرواق الرياضي، بدءاً من الأندية ومنسوبيها، من أجهزة إدارية وفنية ولاعبين، مروراً بالتحكيم، وعروجاً على جداول المباريات والمسابقات ومواعيدها، وانتهاءً بالدخول في النوايا.
وليسمح لي الجميع أن أتوقف مع المباراة الأخيرة لمنتخبنا الوطني مع المنتخب المصري وقفة هادئة بعيدة عن التأثير والمؤثر، فأقول:
إن الفوز أو الهزيمة نتيجة حتمية، وليست آخر المشوار، بل هي نهاية نتيجة كل بطولة أو لقاء من اللقاءات الودية التي من هذا النوع، لكن يبقى الأمر الأهم من ذلك كله، وهو التحليل الفني المتجرد، البعيد عن العواطف والميول، التي لا أصفها بالشيء المعيب -كعاطفة بشرية طبيعية- فمن ليس لديه عاطفة وميل تجاه وطنه، فهو مشكوك في أمره، وعليه مراجعة نفسه، لكننا هنا بصدد مناقشة وتحليل هذه «الموقعة» كمدخل ندلف منه إلى الموضوع الأكبر والأهم، ألا وهو المشهد الرياضي السعودي، وأخص بالذكر منه رياضة كرة القدم.
انتهى لقاء المنتخبين الشقيقين بفوز المنتخب المصري بنتيجة لا أحد يناقش في ثقلها على كل أطراف المنظومة الرياضية، بما فيها الجماهير، لكن ثمّ ماذا؟ وماذا بعد؟
لم يكن البكاء والتشنّج والنقد اللاذع غير المسؤول في يوم من الأيام أسلوب تحليل، أو وسيلة معالجة، ولكن مع تقديري للحالة التي يعيشها الشارع الرياضي وأنا أحد مكوناته، ومن الذين نالهم من الشعور ما نالهم، إنما تظل الحكمة والركادة سيدة المواقف التي من هذا النوع.
أعود فأقول: لا شك أن وضع المنتخب الوطني لكرة القدم في السنوات الأخيرة، وفي هذه الفترة بالذات ليس في أفضل أحواله إن لم يكن في أسوأها، لكن هذا حال كل المنتخبات العالمية بدءاً من أعتاها إلى أقلها عتوّاً، فقد مرّت بما مرّ به منتخبنا وأسوأ، لكنها أعادت ترتيب الأوراق وراجعت البنيان من كل جانب، فما كان تالفاً ومهترئاً تم استبداله، وما كان قائماً لكنه في طريقه للتهالك تم استدراكه ومعالجته وصيانته.
ونحن لسنا أقل من تلك الدول التي رجعت من جديد، وأخذت مكانها الطبيعي، فلا بدّ لنا من المعالجة حتى لو تطلب الأمر إعادة فك اللحام عن بعض القطع واستبدالها بقطع جديدة، لكن لنحذر من أن يكون الجديد جديداً تاريخاً فقط، وعلى حساب الجودة والمناسبة للموضوع والمرحلة.
إن المدرب رينارد، هو مدرب عالمي ومشهود له في عالم الكرة وفي سجل الإنجازات، ونحن ضمن هذا العالم، وما نفتقده الآن هو المصارحة والمكاشفة والجرأة في اتخاذ الخطوة والقرار!
فالمدرب أحد مكونات الفريق، وهو الموجّه، واللاعبون هم من يخوض اللعبة، والميدان ليس ورقة أو شاشة ذكية ترسم عليها وتكتب فيها ما تريد وتشتهي وتنتظره يتحقق أمامك، وإلا كان على قولة إخواننا المصريين «ماكانش حدِّ غُلُبْ»، لكن الأمر أعظم من ذلك.
إذاً لنبدأ من جديد، وعلى كافة الصعد بدءاً من مراجعة الاتحاد السعودي لكرة القدم والقائمين عليه وأصحاب القرار فيه، والعودة للكفاءات الوطنية الموجودة على هامش ومدرجات المشهد الرياضي، وأعني بذلك «قدامى اللاعبين» «المحاربين» الذين خاضوا مع المنتخب ومع أنديتهم غمار البطولات وأبلوا فيها بلاءً رائعاً، ما زلنا نبات على نجواه، ونصبح على ذكراه، ونسرح وفكرنا معاه!
تلك الكتيبة التي ما زالت بيننا، وأزعم أن لسان حالها يقول: «أسعد الله» لو تتاح لنا الفرصة لنرد شيئاً من جميل الوطن، سواء بالمشاركة في دعم ومساندة الاتحاد السعودي لكرة القدم، أو بتقديم خبراتنا الكروية والنفسية للاعبين، أو في اكتشاف المواهب الكروية الواعدة والصاعدة.
أخيراً أقول: ما دمنا قد جربنا كل شيء من أجل الرياضة، لم يتبق إلا أن نجرب المنتج الوطني ولنا مع الكابتن خليل الزياني ومحمد الخراشي وناصر الجوهر، ماضٍ حافل.
- وأتمنى أن تكون الحقيقة الغائبة قد وصلت.
آخر المطاف
قالوا:
التمسك بالقناعة الشخصية والإصرار عليها مهما كان مخالفاتها للصواب، تأسر صاحبها في مكانه.