صبحي شبانة
حين يبتعد الإنسان عن وطنه الأول، يظل يحمل في قلبه صور الطفولة، وذكريات البيت، وصوت الشوارع التي نشأ فيها، لكنه قد يكتشف، بعد سنوات من الغربة، أن الأوطان ليست دائماً تلك التي نولد فيها فقط، بل قد تكون أيضاً تلك التي تحتضننا، وتمنحنا الأمان، وتفتح لنا أبواب الحياة الكريمة، فنشعر أننا جزء منها، وأنها جزء منا.
هكذا، هي المملكة العربية السعودية بالنسبة لي، وبالنسبة لملايين المصريين الذين عاشوا على أرضها، وعملوا بين أهلها، وتقاسموا معها سنوات العمر، حتى أصبحت بالنسبة لهم أكثر من مجرد بلد يقيمون فيه، بل وطن ثانٍ يسكن القلب والوجدان.
لقد جئت إلى السعودية مثل كثيرين من أبناء مصر، أحمل معي أملاً بسيطاً في أن أجد فرصة عمل، وأن أبني مستقبلاً أكثر استقراراً، لكنني لم أجد وظيفة فقط، بل وجدت مجتمعاً يعرف معنى الاحترام، ودولةً تدرك قيمة الإنسان، وشعباً يفتح قلبه قبل بيته، وجدت في السعودية شعوراً صادقاً بالأمان، ووجدت فيها مساحة للحلم والعمل والنجاح.
على مدى سنوات الإقامة، لم أشعر يوماً أنني غريب، في كل مدينة سعودية عشت فيها، كان هناك دائماً من يعاملك كأخ، ومن يشاركك أفراحك وأحزانك، ومن يقدّر تعبك وجهدك، لم تكن العلاقة بين المصري والسعودي علاقة مقيم بصاحب أرض، بل علاقة أخ بأخيه، وشعب بشعب، جمعتهما المودة والتاريخ والمصير الواحد.
وإذا كان ملايين المصريين قد اختاروا السعودية مكاناً للعمل والحياة، فذلك لأنهم وجدوا فيها ما هو أكبر من الرزق، وجدوا دولة تحترم القانون، وتصون الكرامة، وتمنح كل مجتهد فرصة حقيقية، وجدوا فيها وطناً يفتح أبوابه للجميع، لكنه في الوقت نفسه يحافظ على هويته، ويعتز بقيمه، ويقف بثبات أمام كل ما يهدد أمنه واستقراره.
لقد كانت السعودية دائماً بالنسبة للمصريين أرضاً عزيزة ومكانةً رفيعة، فهي ليست بلداً عربياً عادياً في وجداننا، بل هي أرض الحرمين الشريفين، وقبلة المسلمين، والبلد الذي يرتبط اسمه في قلوبنا بالإيمان والكرم والعطاء، ولذلك فإن محبة المصريين للسعودية ليست موقفاً سياسياً عابراً، ولا مجرد امتنان لسنوات العمل والعيش، بل هي شعور عميق ومتجذر في النفس.
وحين أرى ما وصلت إليه المملكة اليوم من نهضة كبيرة، أشعر بالفخر كما لو أنني أرى نجاح بلدي. فالسعودية لم تعد فقط دولة قوية بثقلها السياسي والاقتصادي، بل أصبحت نموذجاً للتطور والطموح وصناعة المستقبل، في كل يوم نرى مشروعاً جديداً، ومدينة جديدة، وفرصة جديدة، ورؤية تتقدم بخطى واثقة نحو الغد.
لقد استطاعت المملكة، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، أن تفتح صفحة جديدة في تاريخها، وأن تقدم للعالم صورة مختلفة لدولة عربية تعرف ماذا تريد، وتمتلك الإرادة لتحقيقه. فـرؤية المملكة 2030 لم تكن مجرد خطة اقتصادية، بل كانت مشروعاً وطنياً ضخماً أعاد تشكيل الحياة في المملكة، وفتح أبواباً واسعة أمام الأمل والعمل والإبداع.
ونحن، كمصريين نعيش على هذه الأرض، شعرنا بأننا جزء من هذه المسيرة، تابعنا التحول الكبير في المدن، وفي الاقتصاد، وفي الخدمات، وفي مستوى الحياة، ورأينا كيف أصبحت السعودية أكثر قدرة على صناعة المستقبل بثقة واقتدار، ولم يكن ذلك بعيداً عنا، بل كنا شهوداً عليه، ومستفيدين منه، وممتنين له.
ولأن المحبة الحقيقية تظهر وقت الشدائد، فإن ولاءنا للسعودية لا يتوقف عند حدود الامتنان، بل يمتد إلى الوقوف معها في كل ما تواجهه من تحديات، فحين تتعرض المملكة لأي تهديد، يشعر ملايين المصريين الذين يعيشون فيها أن الأمر يمسهم شخصياً، لأن السعودية لم تعد بالنسبة لهم مكان إقامة فقط، بل أصبحت بيتاً كبيراً يحتضنهم.
إننا نفرح لفرحها، ونحزن لما يمس أمنها، وندعو لها دائماً أن تبقى قوية وآمنة ومستقرة، فمن يعيش في السعودية يعرف جيداً قيمة هذا البلد، ويعرف أن ما تحقق فيه لم يأتِ صدفة، بل جاء نتيجة حكمة وقيادة وعمل متواصل، ولذلك فإن الحفاظ على السعودية واستقرارها ليس مسؤولية أبنائها فقط، بل هو أيضاً واجب كل من عاش على أرضها، وأكل من خيرها، ونال من فضلها.
لقد علمتنا السعودية أن الانتماء ليس مجرد ورقة أو جنسية، بل هو شعور بالوفاء لمن أحسن إليك، وصدق في احتضانك، وفتح لك أبواب الحياة، ولهذا فإنني لا أستطيع أن أتحدث عن السعودية بوصفها بلداً أعمل فيه فقط، بل بوصفها وطناً له مكانة خاصة في قلبي.
أنا مصري، وسأظل أعتز بمصريتي، لكنني في الوقت نفسه أحمل للسعودية محبة صادقة وولاءً نابعاً من القلب، محبة لمن منحتني الأمان، وولاء لوطن احتواني، وامتنان لبلد جعل ملايين المصريين يشعرون أنهم بين أهلهم.
وإذا كانت الأوطان تُقاس بما تمنحه للإنسان من شعور بالكرامة والانتماء، فإن السعودية بالنسبة لي، وبالنسبة لملايين المصريين، ليست مجرد محطة في الحياة، بل وطنٌ ثانٍ… يسكن القلب إلى الأبد.