منصور بن صالح العُمري
في جغرافيا السياسة، تُعرفُ الحدودُ بالخرائطِ والأسوار، أما في قاموسِ «الرياض»، فالحدودُ ما هي إلا مساحةٌ من القلبِ تتسعُ لكلِّ من آوى إليها، وفضاءٌ من السندِ لا يَعرفُ الخذلان حين تشتدُّ الأنواء. وحين تضربُ العواصفُ أشرعةَ المنطقة، وتضطربُ بوصلةُ الإمدادِ في ممراتِ العالم، لا تلتفتُ المملكةُ إلى موازينِ «الأنا»، بل تمُدُّ بساطَها الأخويَّ ليصيرَ البحرُ والبرُّ والجوُّ عرقاً واحداً ينبضُ في جسدِ الخليجِ والعراق وغيرها.
ليس غريباً على بلادٍ قامت على «القدوةِ» قبل «القوة» أن تفتحَ مخازنَ غِلالِها وموانئَها لتكونَ شريانَ الحياةِ لمن حولَها؛ فالكرمُ هنا ليس فائضاً عن حاجة، بل هو «عقيدةُ بقاء» وقسمٌ غيرُ مكتوبٍ بأنْ لا يجوعَ جارٌ وللمملكةِ رغيف، ولا يَعلقَ مسافرٌ وللمملكةِ سقف. إنَّ ما نراهُ اليوم من تدفقِ آلافِ الشاحناتِ ومشاركة المطاراتِ هو تجسيدٌ حيٌّ لمعنى «الولايةِ الرشيدة» التي ترى في استقرارِ الجارِ أمناً لدارِها، وفي طمأنينةِ الشقيقِ غايةً تَهونُ في سبيلِها التكاليف.
إنَّ مشهدَ العالقينَ وهم يَسكنونَ في أحداقِ هذا الوطنِ على نفقةِ حكومتِه، وقوافلَ الغذاءِ والدواءِ وهي تعبرُ الحدودَ وكأنها تنتقلُ من غُرفةٍ إلى غُرفةٍ في بيتٍ واحد، هو درسٌ أخلاقيٌّ بليغٌ يسبقُ العملَ السياسي. السعوديةُ اليوم لا تكتفي بكونِها «سلةَ غذاءٍ» أو «حاضنةَ طائرات»، بل هي تبرهنُ للعالمِ أجمع أنَّ القيادةَ ليست منصةً للخطابة، بل هي «فعلٌ» يستبقُ الأزمة، و «صدرٌ» يضمُّ الخائف، و «يدٌ» تقبضُ على جمرِ التحدي لتوفرَ الغذاء والسلام لإخوتِها.
لقد تلاشتِ المسافات، وانصهرتِ المصالحُ في بوتقةِ المصيرِ المشترك، حتى أضحتِ المملكةُ هي الخليجَ ببريِّه وبحريِّه وجويِّه. إنه النموذجُ الفريدُ الذي يعجزُ المنطقُ الماديُّ عن تفسيرِه، وتَقصرُ كلماتُ الوصفِ عن الإحاطةِ بمراميه؛ وطنٌ يُثبتُ في كلِّ مَنعطفٍ أنه ليس مجردَ دولةٍ عظمى في حساباتِ الأرقام، بل هو «أمةٌ» في موازينِ الإنسانية، وسندٌ لا ينضبُ معينُه، وبيتٌ كبيرٌ يقولُ لكلِّ مَن مسَّه القلق: «اطمئنوا.. فأنتم في وطنِكم».
عشتِ يا بلادي، منارةً للحق، وملاذاً للجار، وقدوةً يَهتدي بها الزمان.
وعاش قادتنا الذين يديرون دفة الأمور بعقلانيةً وحزم وحكمة بتوفيق من الله.