عمرو أبوالعطا
لم يكن كتاب المستشرقة الأميركية جويا بلندل سعد عن «صورة العرب في الأدب الفارسي الحديث» مجرد دراسة عابرة في زخم الإنتاج الاستشراقي، بل إن الثابت عن هذا العمل يفوق كل تصور، فقد استطاع في زمن التحولات القومية الكبرى أن يرسم خريطة للهوية الإيرانية المتشكلة عبر مرآة الآخر العربي، متجاوزاً مجرد الرصد الببليوغرافي للنصوص الأدبية ليغوص في طبقات متراكمة من التاريخ والثقافة والسياسة، كاشفاً عن ديناميكيات معقدة حكمت العلاقة بين أمتين متجاورتين، وما كانت هذه الرؤية التحليلية العميقة لتكتمل دون أن تمر بمحطات فارقة في تاريخ المنطقة، لتسلك مسار الذاكرة الجمعية المشحونة بالتناقضات، وما كان للباحثة أن تصل إلى تلك النتائج الجريئة، لولا منهجها النقدي التفكيكي الذي جعل من دراستها رحلتين متوازيتين، رحلة في النصوص الأدبية من الشاهنامة للفردوسي إلى أعمال صادق هدايت، ورحلة في اللاوعي الثقافي لأمة تبحث عن ذاتها في مرايا الآخرين.
تتجلى عبقرية جويا بلندل سعد في قدرتها على تحويل التفاصيل النصية الصغيرة إلى أيقونات كبرى تعكس مأساة أمة بكاملها مزقتها صراعات الهوية والنزاعات الإيديولوجية والهواجس القومية.
إنها تكتب دراسة تتجاوز حدود الأكاديميا التقليدية لتصبح وثيقة إنسانية تكشف عن آليات تشكل الصور النمطية، فتصير شخصية العربي في المتخيل الفارسي علامة في خريطة الوجع الإيراني، ترسم ملامح هوية متشظية تبحث عن معنى يتجاوز فشل المشاريع القومية في تحقيق العدالة والانسجام الداخلي.
تستند الباحثة في بنائها التحليلي إلى فرضية مركزية مفادها أن الأدب الفارسي في تجلياته الحديثة منذ القرن التاسع عشر اضطلع بدور محوري في بناء وتكريس سردية قومية إيرانية تستمد الكثير من مقوماتها من خلال التمايز وأحياناً التضاد مع الهوية العربية، وهذه السردية التي تتغذى من روافد قومية آرية قديمة وجدت في الأدباء والمثقفين الإيرانيين أدوات فاعلة لترسيخها في الوعي العام.
تكشف الباحثة كيف أن صورة العربي في المتخيل الفارسي تتأرجح بين البدوي الجاهل والغازي المتعطش للسلطة، لتكون في جوهرها انعكاساً لقلق الهوية الإيرانية وصراعها مع ماضيها وحاضرها، إنها صورة وظيفية تخدم أغراضاً سياسية وأيديولوجية محددة تتغير بتغير السياقات التاريخية. تفتتح سعد الباب أمام فهم أعمق للتوترات الثقافية والسياسية في المنطقة، مؤكدة أن الأدب بصفته مرآة للروح الجماعية يظل الفضاء الأكثر خصوبة لفهم كيف ترى الأمم نفسها. وكيف ترى جيرانها، عملها دعوة صريحة لإعادة قراءة التاريخ الأدبي بعيون نقدية متحررة من الأيديولوجيات القومية الضيقة، بحثاً عن حقيقة إنسانية أرحب.
في رصدها للسياقات التاريخية، تتوقف سعد عند لحظة فاصلة تمثلت في صعود القومية الإيرانية في عهد رضا شاه بهلوي وابنه، حيث سعت الدولة إلى تفريس كل شيء في البلاد بعد الفتوحات الإسلامية التي جعلت الثقافة العربية دخيلاً في نظرهم. تكشف كيف أن هذه السياسة المبرمجة تمكنت من رفع شأن القومية الفارسية بعد أن فقدت بريقها، واصفة إيران بأنها الأمة الآرية النبيلة في مقابل أمة سامية من البدو المتوحشين الذين جلبوا الدمار للحضارة الإيرانية.
غير أن الباحثة تنبه إلى مفارقة تاريخية مهمة، فمن النواحي التاريخية والدينية والثقافية كان للعرب أهمية عظمى لإيران، ففي القرن السابع للميلاد أخضع العرب المسلمون إيران وجعلوها جزءاً من الخلافة الإسلامية، وكان لمجيء الإسلام إلى إيران الأثر المنفرد الأكثر قوة في تطور الثقافة الإيرانية، فقد تغيرت إيران من بلد زرادشتي إلى إسلامي، وتغيرت اللغة والأدب الفارسيين بتأثير من اللغة العربية.
في مجال تطهير اللغة، سعى النظام البهلوي لدمج الأقليات كلها في إيران الفارسية، فأسس أكاديمية ثقافية عام 1935 بهدف تطوير اللغة الفارسية مع تأكيد تنقيتها من خلال إنشاء قوائم بكلمات فارسية جديدة لإزاحة المفردات ذات الأصول العربية، وخضعت الأماكن الجغرافية لسياسة التفريس أيضاً، وساوجيلان صارت مهاباد، وأرومية باتت رضائية، والمحمرة خرمشهر. في هذه المدة تعرض العرب الذين كانوا أقلية تتركز في جنوب غربي البلاد إلى عزل إثني ومهني كبير من الفرس الذين شجع كثير منهم على الاستقرار هناك، فبسطوا سيطرتهم على الوظائف ومفاصل الدولة.
تتتبع سعد ببراعة كيف أن هذه السياسات الرسمية تغلغلت في الوعي الجمعي وتجسدت في الإنتاج الأدبي، فاختارت خمسة من أبرز الكتاب الرجال؛ وهم: محمد علي جمال زاده، كاتب النثر وصاحب المقالات، وصادق هدايت أشهر كتاب إيران في القرن العشرين. والقاص والروائي صادق جوباك، والشاعران مهدي أخوان ساليس ونادر نادربور.
بالمقابل اختارت ثلاثاً من الكاتبات النساء هن: الشاعرة فروغ فرخ زاد وطاهره سفرزاده والقاصة والروائية سيمين دانشور، لتقدم قراءة مقارنة تكشف عن تباين جوهري في الرؤى بين الجنسين. في كتابات الرجال، تبرز صورة نمطية وبائسة للعربي والإسلام، حيث يلقون باللائمة على العرب والدين الإسلامي تبعة تخلفهم عن ركب الحضارة، ويحملونهم مسؤولية تدمير الهوية الثقافية الإيرانية، ويرفضونهم بوصفهم غرباء ويعارضون القيم الثقافية الإيرانية الحقة.
هنا ، يظهر صادق هدايت كشخصية متطرفة ، إذ تبنى نظرة عنصرية متأثرة بشكل صريح بالأطروحات النازية، وتتجسد هذه النظرة في روايته الشهيرة «البومة العمياء» التي تتحدث عن رهاب الأجانب والخوف وكراهية الآخر العربي.
يرى هدايت أن الإيرانيين الآريين متفوقون عرقياً على العرب الساميين، ويجعل من الماضي الزرادشتي مثالاً معتبراً إياه عصر إيران الذهبي، ساخراً من العرب واصفاً إياهم على نحو دائم بالمتوحشين والقساة والمتعطشين للدماء والموبوئين والقذرين والبشعين وأصحاب الجلود السوداء.
يأتي محمد علي جمال زادة أقل حدة من هدايت، لكنه أشد تعصباً لانتمائه الإيراني المعاصر، مما دفعه إلى السخرية من شخصية الملا العربي في عمله السردي الشهير الفارسية سكر، راسماً صورة نافرة للعرب المتخلفين والقساة، وساخراً من اللغة العربية نفسها التي تعلمها صغيراً.
على عكس ذلك ، تميل كتابات النساء إلى العقلانية والتفهم بعيداً عن التطرف والتعصب الذي طاول كتابات الرجال.
تنتقد فروغ فرخ زاد الإسلام بوصفه جزءاً من المؤسسة الدينية الإيرانية وليس بوصفه وافداً غريباً، وبالتالي لا تحمل العرب مسؤولية التخلف الإيراني، تعتبر الشاعرة طاهرة سفرزاده الإسلام ظاهرة كونية وليست عربية، وتجد في الإمبريالية الغربية عدوها الإيديولوجي. توحد سيمين دانشور مرحلة ما قبل الإسلام والإسلام في الميثولوجيا الإيرانية لتحدث توليفة ثقافية لإيران. لا تكتفي سعد بهذه التقسيمة، وتختار ما تعتبره رجلاً يقف في الوسط هو القاص والكاتب جلال آل أحمد، الذي يجمع في كتاباته ومواقفه ما بين الإسلام والقومية الإيرانية، مقدمًا نموذجاً للتيار الذي حاول التوفيق بين المكونين الأساسيين للهوية الإيرانية.
تظهر أهمية الكتاب في تجاوزه التحليل الأدبي السطحي ليقدم قراءة ثقافية وسياسية عميقة للنصوص، تربط سعد ببراعة بين المتخيل الأدبي والواقع السياسي مظهرة كيف يتغذى كل منهما على الآخر. تكشف كيف أن الأدباء الإيرانيين في سعيهم لبناء هوية قومية حديثة وجدوا في العربي الآخر الضروري الذي يمكن من خلاله تعريف الأنا الإيرانية، وهذه العملية كانت محفوفة بالتوترات والتناقضات لأنها كانت تستدعي تاريخاً طويلاً من التفاعل المعقد بين الحضارتين العربية والفارسية. إنها قراءة جريئة تدفع القارئ إلى إعادة التفكير في الكثير من المسلمات التي يحملها عن تاريخ المنطقة، مؤكدة أن المشاعر المعادية للعرب لم تكن مستوردة من الغرب، بل هي نتاج سيرورة التفكير القومي الإيراني في القرن التاسع عشر، المتأثرة بالنظريات العرقية الغربية.
تمثل الدراسة إضافة نوعية للمكتبة العربية لأنها تترجم عملاً بحثياً رصيناً يتناول قضية تقع في صميم الاهتمامات الثقافية والسياسية العربية الراهنة، وتقدم منظوراً خارجياً للمستشرق الأكاديمي يتيح رؤية أكثر موضوعية وتجرداً. تنجح سعد في تفكيك الخطاب القومي الإيراني وتعرية آلياته في صناعة صورة العربي، مظهرة كيف أن هذه الصورة هي بناء ثقافي معقد وليست انعكاساً بسيطاً للواقع. إنها دعوة للتفكير في كيفية بناء الصور النمطية وكيف تساهم هذه الصور في إدامة الصراعات والتوترات بين الشعوب، وفرصة نادرة للقارئ العربي للنظر في صورته كما تعكسها عيون الآخر، وهي فرصة تقتضي تأملاً عميقاً ومراجعة شجاعة للذات.
تكتسب الدراسة أهميتها الاستثنائية من شجاعتها في مقاربة موضوع حساس ومن منهجيتها الصارمة التي تجمع بين التحليل النصي الدقيق والفهم التاريخي الواسع، ومن قدرتها على تحويل المأساة الجماعية إلى مادة للتأمل الفلسفي. إنها دراسة تضع الإصبع على جراح عميقة في الذاكرة الجمعية للمنطقة، وتدعو إلى مواجهة صريحة مع الصور النمطية التي تسمم العلاقات بين الشعوب.
تكمن عبقرية سعد في قدرتها على استنطاق المسكوت عنه في النصوص الأدبية وكشف الأبعاد السياسية الخفية للهويات المغلقة، إنها ترينا كيف أن الأيديولوجيات القومية رغم وعودها بالعدالة تفشل في تحقيق التعايش السلمي، وكيف أن المؤسسات الثقافية قد تتحول إلى أدوات في صراعات سياسية لا تمت للإنسانية بصلة.
تمثل صورة العرب في الأدب الفارسي الحديث وثيقة إنسانية وتاريخية تسلط الضوء على معاناة الأقليات والمهمشين، وتطرح أسئلة جوهرية حول معنى الانتماء والوطن والذاكرة في عالم تتهاوى فيه الحدود وتتشظى فيه الهويات. هي دراسة عن رحلة البحث عن الذات في مرايا الآخرين، وعن استحالة العودة إلى نقاء الهوية المزعوم في زمن العولمة، وعن إمكانية استخراج نور الفهم من ظلمات الجهل المتبادل.
تظل هذه الدراسة دعوة للتأمل في تاريخ المنطقة المعقد بعيون متحررة من الأحكام المسبقة، والبحث عن جسور التفاهم والتعايش في عالم يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم، إنها تكتب بحبر الذاكرة ودم الجراح، لتظل شاهدة على زمن التحولات الكبرى، وعلى قدرة الإنسان على استخلاص الحكمة من التجارب المؤلمة.