فاطمة الجباري
في وقتٍ تتصاعد فيه التحديات البيئية عالميًا، من تغيّر المناخ إلى تدهور الموارد الطبيعية، تتجه الأنظار نحو المبادرات الوطنية التي تجمع بين الطموح والواقعية، وتؤسس لمستقبل أكثر استدامة. وفي هذا الإطار، برزت مبادرة السعودية الخضراء، التي أُطلقت عام 2021م، كإحدى أبرز المبادرات البيئية في المنطقة، وركيزة أساسية ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030.
جاءت هذه المبادرة استجابةً واعية لجملة من التحديات البيئية التي تواجه المملكة، مثل التصحر وارتفاع درجات الحرارة وتراجع الغطاء النباتي، وهي تحديات تتطلب حلولًا استراتيجية بعيدة المدى، قائمة على أسس علمية وتكامل مؤسسي. ومن هنا، لم تكن المبادرة مجرد إعلان بيئي، بل مشروعًا وطنيًا متكاملًا يسعى إلى إعادة تشكيل المشهد البيئي في المملكة.
ترتكز مبادرة السعودية الخضراء على ثلاثة محاور رئيسة، أولها خفض الانبعاثات الكربونية، حيث تستهدف المملكة تقليل أكثر من 278 مليون طن سنويًا بحلول عام 2030، مع التوسع في استخدام الطاقة المتجددة لتصل إلى 50 % من مزيج إنتاج الكهرباء، والسعي للوصول إلى الحياد الصفري بحلول عام 2060. أما المحور الثاني فيتمثل في التشجير واستصلاح الأراضي، عبر زراعة 10 مليارات شجرة، وإعادة تأهيل مساحات شاسعة من الأراضي المتدهورة، بما يسهم في تحسين جودة الهواء وخفض درجات الحرارة وتعزيز التوازن البيئي. فيما يركّز المحور الثالث على حماية البيئة والتنوع الحيوي، من خلال حماية 30 % من المناطق البرية والبحرية، والحفاظ على الكائنات الفطرية وإعادة توطينها.
وقد بدأت ملامح النجاح تظهر بوضوح منذ انطلاق المبادرة، حيث تم زراعة أكثر من 137 مليون شجرة، وتحسين مساحات واسعة من الأراضي، إلى جانب تحقيق تقدم في الحد من العواصف الغبارية، وتعزيز الاستثمارات في الاقتصاد الأخضر. كما أسهمت المبادرة في رفع مستوى الوعي البيئي، وتشجيع المشاركة المجتمعية، ما يعكس تحولًا تدريجيًا في الثقافة البيئية داخل المجتمع.
إن مبادرة السعودية الخضراء لا تقف عند حدود الأرقام، بل تتجاوزها لتؤسس لوعي جديد يُعيد صياغة العلاقة بين الإنسان وبيئته. فهي ليست مشروعًا مرحليًا، بل مسار وطني طويل الأمد، تُبنى فيه التنمية على الاستدامة، ويُقاس النجاح بقدرة الأجيال القادمة على العيش في بيئة صحية ومتوازنة.
ومع استمرار العمل وتسارع الإنجاز، تؤكد المملكة أن المستقبل الأخضر لم يعد خيارًا، بل ضرورة تفرضها التحديات، وتستجيب لها الإرادة. وهكذا تمضي السعودية بخطى واثقة نحو ريادة بيئية، حيث تتناغم التنمية مع الطبيعة، ويصبح الحفاظ على البيئة جزءًا أصيلًا من هوية الوطن..