د. رانيا القرعاوي
في وسط النقاشات الدائرة حول ما الذي سيستبدله الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار، يغيب سؤال أكثر أهمية، ما الذي لا يمكن أن يقترب منه أصلًا؟
تقرير حديث قرأته حديثًا في نيو يورك بوست يعيدنا إلى جوهر المهنة، والذي وصف الصحفيين بالعدائيين وهم الذين يخرجون يوميًا دون خطة مسبقة، ودون قصة جاهزة، بحثًا عن شيء لم يُكتشف بعد.
هؤلاء لا يعتمدون على بيانات، ولا على ترند منتشر، ولا على ما يتصدر المنصات. يعتمدون على الحضور. على أن يكونوا هناك. في الشارع. أمام الناس. يطرقون الأبواب، يقرأون المواقف، ويلتقطون ما لا يمكن للخوارزميات رؤيته.
هذا العمل الذي ما زال الصحفيون يمارسونه كل يوم، فبينما ينشغل كثيرون بالسؤال: هل سيكتب الذكاء الاصطناعي بدلًا عن الصحفي؟
السؤال الأدق: هل أصبح بعض الصحفيين أنفسهم يعملون مثل الذكاء الاصطناعي؟
يستخدمون نفس الترند، نفس الزاوية، نفس الصياغة، فنحن أصبحنا في عالم تدار فيها البيانات الصحفية بأكثر من أسلوب، فقصة مثل “كيت كات” مؤخرًا. قصة بسيطة، لكنها تحولت إلى موجة محتوى مكتوب بالذكاء الاصطناعي اجتاح المنصات. الجميع كتب، الجميع علق، الجميع أعاد إنتاج الفكرة نفسها بصياغات مختلفة.
لكن من المستفيد الحقيقي؟ ليس من كتب النسخة العاشرة أو المئة، بل من صنع القصة الأولى. هذه هي القصة التي لا يستطيع الذكاء الاصطناعي كتابتها، بل لو تناولها سيفاقمها. لأنه بطبيعته يتغذى على الموجود، ويعيد إنتاجه بشكل أسرع وأوسع. وهنا يصبح الفرق واضحًا بين نوعين من الصحافة:
صحافة «تلحق القصة»، وصحافة «تصنع القصة». الأولى يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتقنها، بل يتفوق فيها. أما الثانية، فهي تبدأ من شيء لا تراه الخوارزميات أصلًا، من قصة يراها الصحفي بعينه فقط، موقف مثل السرقة التي تحولت من أزمة إلى حملة دعائية تقدر بملايين الدولارات.
الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يكتب نصًا متماسكًا خلال ثوانٍ، لكنه لا يستطيع أن يجلس أمام إنسان، يكسب ثقته، ويستخرج منه ما لم يكن ينوي قوله، هذه ليست مهارة يستطيع أي بوت ذكاء اصطناعي القيام به.
الإعلام السنع اليوم ليس من يواكب الترند، بل من يفهم كيف يبدأه. ليس من يعيد الصياغة، بل من يذهب إلى المكان الذي لم يذهب إليه أحد. فالقصة التي تنتشر وتحقق حضورًا مؤثرًا لا تولد من خلال المنصات بل من تولد خارجها.