م. بدر بن ناصر الحمدان
لطالما استوقفني نموذجٌ فريدٌ لرجلِ دولةٍ، جمعتني به علاقةُ تقديرٍ عميقٍ واحترامٍ متبادلٍ امتدّت لسنواتٍ طويلة. كنتُ أتساءل دائمًا عن السر وراء ما يحظى به من ثقةٍ متجددةٍ من لدن المسؤولين حتى اليوم بالرغم من تعاقب أجيال الإدارة والقيادة، وما الذي يمنحه القدرة على صناعة الأثر والفارق في كل مكان مسؤوليةٍ يتبوّؤه، والتحكم بما تحت إدارته من منظومة مهام ومسؤوليات متعددة ومعقدة وذات أهمية وطنية، هو شخصية هادئة ومتزنة، ولا يتحدث كثيرًا، وقليل التوجيهات، ودائمًا ما يتعامل مع القضايا بأقل جهد وبنموذج بسيط ولكن بعمق كبير، وبعقلية متّخذ القرار لا صانعه، تركيزه دائماً على العناوين، ونادراً ما تشاهده في مسرح التفاصيل، عادة ما يكتفي بأن يكون حيث يجب أن يكون وفق مبدأ «موجود وغير مرئي».
في مناسبةٍ اجتماعية، دفعني فضولي لمحاولة اكتشاف ما وراء هذا التفرد الذي هو عليه، فسألته سؤالًا مباشرًا عن ذلك، وكنت أتوقع منه تنظيراً و سردًا طويلاً يستعرض فيها تجربته الإدارية الثرية التي قد تجيب عن هذا التساؤل ووضعها في قوالب ترويج للذات كما هو حال الكثير من القياديين، لكنه فاجأني بتعليق مقتضب وبلهجته المحلية المتواضعة والمباشرة، أنقلها نصاً كما تحدث بها، يقول: «المسؤول إذا حطك في مكان أو كلفك بمسؤولية، هو يحتاج منك شيء محدد دون زود ولا نقص، ودورك هنا تركز على وش المطلوب منك تنجزه -أمس قبل اليوم-، وأهم شيء تختار المورد أو الاستشاري أو المقاول اللي يبيض وجهك، واحرص على فريقك واختيار الناس اللي عندهم شغف بالعمل وتقدر تعتمد عليهم ولا يحتاجون من يتابع وراهم، لإن مثل هذولا يفهمون مع الوقت والتجربة وش اللي تفكر فيه قبل ما تقوله، وهذا بيختصر عليك الكثير، والأهم من هذا أنك تعود نفسك ما تتعذر بشيء ولا تقول مانقدر أو تضع اللوم على جهة أو ميزانية، هذا أسلوب يضعف الصورة الذهنية عنك، دبر أمرك تحت أي وضع، لذلك أنا أحب الأشخاص اللي عندهم حلول وبدائل ومايعطلونك ويقولون لك (تمّ) قبل تخلص كلامك، مايعجبني أبد الشخص اللي أعذاره واجد ويشغلك بالمبررات ويتشرط إذا كلفته بشيء أو اللي يستخدم عبارة نواجه التحدي الفلاني، هذا من وجهة نظري عجز وقل دبره، عشان كذا اللي يشتغل معي لابد يجيه الضغط والسكر هذي علامة جودة - قالها بأسلوب ساخر-».
لم يُشبع حديثه فضولي، فأتبعتُه بسؤالٍ آخر عن كيف يضمن جودة المنتج النهائي وإنجازه في الوقت المحدد؛ فهذا الأمر يتطلب متابعة الكثير من التفاصيل وإدارتها والإشراف المباشر عليها. التفت لي بابتسامته المعهودة وقال:
«دائماً لا تعقد الأمور وتزين، أي مهمة ركز عليها وعطها وقتك وحاول انك تفككها وتحصرها في نطاقها ولا تتوسع فيها، أنت هنا دورك توصّل التوجيه اللي يجيك لفريقك وتشرح خطة العمل اللي تشوف أنها الأنسب، وتحرص على الاجتماعات الأسبوعية لأنها هي الرادار اللي يخليك تضمن وتتأكد أن الأمور في طريقها الصحيح من خلال عرض التقارير الدورية، وبناء عليها تقدر تتدخل وتعالج المشاكل وتحاول توفّر الممكنات اللي تقدر عليها، والباقي من التفاصيل هذا دور فريقك مكنهم وحاسبهم ولا تجامل، وعوّدهم أنك ما تقبل أبد بشغل ما يرتقي يُعرض على المسؤولين ولا تتنازل عن معاييرك، واللي ما يقدر من الفريق أو يتعذر بمبررات غير مقنعة دوّر غيره من الأشخاص اللي يقدرون يتصرفون، لا تضيع وقتك، البلد مليان، هذا شغل دولة وما عندك خيار إلا تنجزه».
في آخر الحديث، قلت له: ما هي رسالتك للجيل القادم من القياديين؟ قال وهو يهم بالنهوض: «أقول لهم استبعدوا من قاموسكم الإداري عادة التبرير وأي شيء اسمه ما نقدر، اشتغلوا بالإمكانات اللي تحت يدكم، واستثمروا الفرصة اللي تجيكم لأنها ما تتكرر، وركزوا على المطلوب منكم قبل كل شيء، وتعاملوا مع المكان اللي أنتم فيه بمسؤولية، المسؤول في الأخير بيحاسبكم على مُنتج أنتم مسؤولين عنه».
وعدته ألا أنشر ما دار بيننا من حديث، غير أنني رأيت في هذه التجربة الإدارية ما يستحق المشاركة.