د. منى بنت صالح الحضيف
تهدف الدول إلى تنمية الطاقة البشرية واستثمارها في مختلف الميادين من أجل الارتقاء بالمجتمعات، وتأهيل الكوادر الشابة لبناء الدول، من تنمية الاقتصاد، والازدهار التنموي. فالدول تقوم على بناء أجيال متعلمة وقوية، لتستطيع مواصلة مسيرتها التنموية، والارتقاء بين صفوف الدول المتقدمة. فالاستدامة التنموية تبدأ بوضع قواعد وأسس قوية تحقق لها الاستمرار في النماء والتطور.
وتعد الجامعة من أهم مراحل حياة الإنسان وتكوينه؛ إذ هي حجر الأساس في تنمية رأس المال البشري، وتأهيله لسوق العمل، بالتعليم المتميز، ورفع كفاءته الفكرية والمهنية، والتدريب الجيد، الذي يؤهله إلى دخول سوق العمل، ومواجهة المجتمعات الخارجية والتواصل معها. لذا نجد التنافس عاليًا بين الدول في بناء جامعات متميزة ذات جودة تعليمية عالية، وتحقيق مخرجات تعلم قوية، فتعمل على استقطاب الكفاءات التعليمية للاستفادة من خبرتها، وتجربتها التعليمية، والسعي الدائم للحصول على تصنيفات عالمية خاصة بالتعليم العالي، مُحاوِلة تحقيق التميز في النوع والكم، لما لذلك من أهمية في رفع مستوى الجامعة، فيجعلها وجهة للطلبة من جميع أنحاء العالم، حتى أن بعض الدول تشترط جامعات مرموقة ذات تصنيفات عالية، وتخصصات نوعية متميزة للموافقة على ابتعاث مواطنيها للتعلم فيها.
ومملكتنا الحبيبة من الدول الكبرى التي اهتمت بالتعليم منذ تأسيسها، فكانت جامعة الملك سعود في الرياض أول جامعة تأسست على أرض المملكة العربية السعودية في عهد الملك سعود بن عبدالعزيز -رحمه الله- عام 1377-1957م، غُيّر اسمها لاحقًا إلى (جامعة الرياض) ثُم أُعيد تسميتها مرة أخرى (جامعة الملك سعود)، لتتأسس بعدها الجامعة الإسلامية في المدينة المنور عام 381-1961م، ثم جامعة الملك فهد للبترول والمعادن عام 1983-1963م، لتتوالى الجامعات السعودية تأسيسًا ونماءً، ليصل عدد الجامعات على أرض المملكة اليوم 28 جامعة حكومية، و15 جامعة أهلية، بالإضافة إلى الكليات المستقلة، ويبلغ عددها 50 كلية؛ إذ تؤمن المملكة أن التعليم يُسهم في دفع عجلة الاقتصاد، وأنه مورد أساسي لنماء الدولة وارتقائها.
وقد أصبح التنافس كبيرًا بين الجامعات السعودية في تطوير التعليم وتميزه، ففُتحت كليات، ودُمجت كليات أخرى، وطُورت المناهج التعليمية لتركز على المهارات الأساسية للطلبة بالإضافة إلى تطوير المواهب وتدريبها، وتحديث مخرجات التعلم، وقياسها بشكل مستمور لتحديد الخلل فيها وتطويرها، بما يتلائم مع سوق العمل، وتلبية لاحتياج الوطن من خيارات وظيفية ومهنية تسد الفجوة بين الطلب والتوظيف الذي يقلل من ارتفاع نسبة البطالة، ساعية إلى تحقيق التميز والحصول على التصنيفات العالمية التي تزيد من قوة الجامعة ولفت أنظار الطلبة من أنحاء العالم إليها؛ إذ تجاوزت الجامعات حدودها المكانية من كونها مساحة للتعليم لتكون فضاءً ثريًا للمشاركة في الابتكار، وعمل الأبحاث التي جعلت الطالب السعودي يحقق تميزًا وحضورًا عالميًا في مشاركاته المتنوعة.
وقد تباهت الرياض في شهر مارس الماضي -2026- بصدور الأمر الملكي الكريم لتأسيس جامعة الرياض للفنون، وهي الجامعة الأولى من نوعها في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تضم 13 كلية متخصصة، مستفتحة بأربع كليات هي كلية المسرح، وكلية الأفلام، وكلية الموسيقى، وكلية الإدارة الثقافية، لتكون رائدة في مجال الثقافة والفنون في المنطقة. تهدف جامعة الفنون إلى تنمية القدرات السعودية، وتطوير المواهب الفنية؛ مسهمة في تحقيق مستهدفات الرؤية 2030، التي ترى أن «الثقافة والترفية من مقومات جودة الحياة» ويتمثل ذلك بتعزيز الثقافة السعودية والحفاظ عليها ونشرها، وتعزيز تنمية القطاع الثقافي، وتحقيق التميز المؤسسي والمحافظة على الكفاءة المالية والتشغيلية، وتحقيق التميز العالمي في مجال تعليم الثقافة والفنون، متطلعة لأن تكون ضمن أفضل 50 جامعة عالمية متخصصة في مجالها.
لقد جاء تأسيس جامعة الرياض ليكون دعمًا قويًا في إحياء الثقافة السعودية، وتأصيل للفنون التي تزخر بها جميع مناطق المملكة، فهي جزء من حضارة المملكة، وجانب مهم لرفع مستوى جودة حياتها، وحفظ تراثها وإحياء الفنون، وازدهار السياحة وبالتالي نموها الاقتصادي. فالدول التي تريد أن تكون رائدة لا بد أن تبدأ من التعليم لتصل إلى الريادة.
إن الثقافة في الرياض نبض من الإبداع لا ينتهي.. كل يوم جديد يحمل ومضة تنطق بالدهشة لتؤكد أن الرياض عاصمة الثقافة والإبداع.