د.إبراهيم بن عبدالله السماري
ثمة كُتّاب يمرّون عبر الصحافة، وثمة كُتّاب تمرّ الصحافة عبرهم؛ لأنهم لا يكتفون بملء المساحات، بل يملأون الوعي. ومن هذا الطراز كان الأديب السعودي عبد الله الجعيثن رحمه الله، الذي لم يكتب المقالة بوصفها مادةً يومية، بل بوصفها مسؤولية إنسانية تُلامس القارئ وتبقى فيه؛ فكان يطرّز لنا في مقالاته أدبَ الحياة حين يصير مسؤولية.
إضافة لذلك فقد أَلَّفَ أكثر من خمسين كتاباً، تنوعت بين الشؤون الاجتماعية، والنفسية، والاقتصادية، بأسلوب أدبي راقٍ، وركّز فيها على السعادة الأسرية، والعلاقات الاجتماعية، والاستثمار.
وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، شكَّل حضوره الصحفي مساحةً مختلفة؛ لا تستعرض المعرفة بقدر ما تُهذّبها، ولا تُراكم الأفكار بقدر ما تُنضجها، هادئة في طرحها، عميقة في أثرها، قريبة من الناس دون أن تتنازل عن رصانتها.
وأكاد أزعم أنني اختصرت المعنى حين اخترت عنوان هذا المقال: (عبدالله الجعيثن؛ حين يَكْتُبُ القلبُ سيرةَ مجتمع) فهو لم يكتبْ المجتمعَ من خارجه بل كَتَبَه من داخله؛ ولذلك، حين كتب، كان القلب يكتب سيرة مجتمع.
ففيه تجلَّت ذاكرة الصوت الذي ظلّ يكتبنا قبل أن نقرأَه بلغةٍ شفافة، لكنها عميقة؛ وميسَّرَة، وبعيدة الغَوْر؛ بحيث إن أعقد القضايا يمكن أن تُقال بأيسر العبارات، إذا صدق القَصْدُ ونَبُلَت الغاية؛ وهذه مهمة صحافتنا الوطنية التي طالما حرص عليها رؤساء تحريرها الذين عملت معهم ، من ذوي الخبرة والوعي الثقافي.
لم يكن الجعيثن يلاحق القضايا الصاخبة، بل كان ينصت لما هو أعمق، لما يتوارى خلف الضجيج: سلوك الإنسان، وقلقه، وعلاقاته، وطريقته في فهم ذاته والآخرين. ولذلك جاءت كتاباته مشبعةً بروحٍ تحليلية، لكنها لا تُثقِل القارئ، بل تأخذه بلطف إلى حيث ينبغي أن يرى.
كتب عن السعادة لا بصفتها ترفاً عابراً، بل قيمةٌ تُبنى. وكتب عن العلاقات لا بوصفها عناوين عامة، بل لأنها مساحات اختبارٍ للوعي والنضج. أما حديثه عن الاستثمار، فكان يتجاوز الأرقام إلى ما هو أبقى: استثمار الإنسان في نفسه، وفي وعيه، وفي خياراته.
ولعلّ أبرز ما ميّز تجربة عبد الله الجعيثن أنه لم يكن واعظاً، ولا صاحب أحكامٍ جاهزة؛ بل كان أقرب إلى رفيقٍ فكري يفتح أمامك نافذةً، ثم يترك لك حرية التأمل. يكتب بلغةٍ شفافة، لا تُغري بالزخرف، بل تُغري بالمعنى؛ بسيطة في ظاهرها، عميقة في جوهرها.
كما ميّزت كتاباته نبرةٌ متزنة، تتجنّب الحِدّة والأحكام القطعية، وتبتعد عن الاستقطاب، وهو ما يعكس وعياً بطبيعة الخطاب الصحفي المؤثر، القائم على الإقناع الهادئ، لا على إثارة الانفعال. ومن هنا، بدا الجعيثن أقرب إلى كاتبٍ يفتح مساحات للتفكير، ويقدّم أدوات للفهم، بدلاً من أن يفرض خلاصاتٍ جاهزة.
وفي زمنٍ وفي زمنٍ تتسارع فيه الأصوات، ويعلو الضجيج؛ اختار أن يكون صوته هادئاً، وفي زمنٍ تُستهلَك فيه الكلمات، وتتسارع الخطى، حتى فقدت كثيراً من وزنها، اختار أن يمنحها قيمتها؛ كان حريصاً على أن تبقى الكلمة مسؤولة، وأن تظلّ الفكرة قادرة على الإضافة، لا مجرد تكرارٍ لما يُقال. ومن هنا، لم تكن مقالاته تُستهلك بانتهاء قراءتها، بل تبقى قابلة للاستعادة، وكأنها كُتبت لزمنٍ أطول من يومها. كان يذكّرنا أن نتمهّل، وأن نتوقّف قليلاً؛ لنفهم، ولنشعر، ونعيش، ونحيا.
إن الحديث عن الجعيثن ليس استعادةً لمسيرة كاتب، بل هي استحضارٌ لقيمةٍ نفتقدها كثيراً: أن يكون الأدب قريباً من الناس دون أن يفقد عمقه، وأن تكون الصحافة مساحةً للوعي لا مجرد مساحةٍ للأخبار أوللتباهي.
لقد غاب الجسد، لكن الأثر باقٍ، في قارئٍ أعاد ترتيب أفكاره، وفي إنسانٍ تعلّم أن يرى الحياة بقدرٍ أكبر من الهدوء والفهم. وهنا تكمن القيمة:
أن تكتب ما ينفع، وأن تقول ما يبقى، وأن تترك في الناس أثراً طيباً، وهذا هو المنهج السويّ، وتلك هي الكتابة التي تستحق أن تُخلَّد: كتابةٌ تُشبه أصحابها في صدقها، وتبقى لأنها كُتبت من القلب. وهكذا يمكن النظر إلى تجربة عبد الله الجعيثن؛ بوصفها كتابةً تنطلق من المجتمع وتعود إليه، وتستمد قيمتها من قدرتها على ملامسة الإنسان في جوهره.
ومن حيث الأسلوب، اتسمت لغة عبد الله الجعيثن بالوضوح والاقتصاد، دون أن تفقد عمقها أو قدرتها على الإيحاء. فهي لغةٌ لا تتكئ على الزخرفة، ولا تُراهن على الإبهار اللفظي، بقدر ما تنحاز إلى الفكرة، وتُعلي من قيمة المعنى. وقد أسهم هذا الخيار الأسلوبي في بناء جسور تواصل مع شريحة واسعة من القراء، الذين وجدوا في نصوصه ما يُشبههم، دون أن يُثقلهم.
حين أكتب عن الزميل عبدالله الجعيثن - رحمه الله - فهذه لحظات وفاء، ولحظات الوفاء لا نستعيد بها الأسماء؛ بقدر ما نستعيد الأثر؛ إننا لا نؤبّن غياباً، بل نحتفي بحضورٍ لم ينقطع؛ لأنه حضورٌ كَتَبَ الحياة. ولكي نقول: إنه من هذه الأرض خرج صوتٌ لم يتعالَ على الناس، بل اقترب منهم، ومن تفاصيلهم الصغيرة، ومن قلقهم اليومي، ومن أحلامهم اليسيرةن وأن هذا هو سمة من سمات إعلامنا عامةً وصحافتنا بخاصّة، ولا يزال كذلك إلى اليوم. أن لا يكتب الصحفي ليمتّع فحسب، بل ليوقظ فينا شيئاً نعرفه ونغفله، فكأن كلماته تقول: انتبهوا، الحياة تمرّ من هنا.
ما الذي يجعل الصحفي هنا مختلفاً؟ ربما لأنه لم يكن يكتب بعقله وحده، بل وبقلبٍ يعرف الناس، ويشبههم، سهل العبارة، عميق المعنى؛ يلامس دون أن يُثْقِل، ويُقْنِع دون أن يَفْرِض، وأن يوازن بين الطموح والرضا، في مجتمعٍ وجد في كلماته مرآةً صادقة. وبذا يصبح الإعلامي ليس مجرّد كاتب فحسب، بل حالةً إنسانية، ستظل تُقرأ، وتُستعاد، وتُستلهَم.
رحم الله الزميل الجعيثن، لم يكن بالنسبة لي رفيق همٍّ إعلامي؛ بل كان رفيق معنى، إذا قرأناه، شعرنا أننا أقرب إلى الحياة وحفظ وعينا الثقافي؛ ممثلاً في صحفيينا الباقين وفي صحافتنا الحريصة على إثراء وعينا الثقافي الوطني بما يحقق أعلى معايير النضج والفكر.
وبالله التوفيق.