صبحي شبانة
الحروب في جوهرها، ليست صدامًا بين جيوش بقدر ما هي لحظات فرز قاسية تكشف من يمتلك مشروعًا قابلًا للحياة، ومن يستهلك ذاته في أوهام السيطرة، وعندما تهدأ أصوات المدافع، وتتوقف محركات الطائرات، تبدأ الحقائق الأكثر قسوة في الظهور، حقائق لا يمكن إنكارها ولا الهروب منها،
في هذا المنعطف، تبدو إيران أمام اختبار من نوع مختلف، اختبار لا يتعلق فقط بما خسرته، بل بما انكشف من حدود قدرتها على الاستمرار بذات النهج، فالمعادلات التي صاغتها على مدى سنوات، والقائمة على توسيع النفوذ عبر أذرع غير تقليدية، بدأت في التآكل، لا بفعل الضغوط الخارجية وحدها، بل نتيجة التناقضات التي تراكمت في بنيتها الاستراتيجية.
في أعقاب أي مواجهة عسكرية كبرى، لا تُقاس النتائج فقط بحجم الخسائر المباشرة، بل بعمق الحقائق التي تفرض نفسها على بنية الدولة وخياراتها الاستراتيجية، وفي الحالة الإيرانية، تبدو ملامح مأزق متعدد الأبعاد والمسارات يتجاوز حدود المعركة العسكرية، ليصل إلى صلب هياكل النظام السياسي، والاقتصادي، وشبكة النفوذ الإقليمي التي طالما اعتمدت عليها طهران كمصدات أمامية وأداة للتمدد والردع والتأثير.
لقد دخلت إيران كل حروبها في السابق وهي تراهن على قدرتها على إدارة الصراع عبر الوكلاء، وتفادي الانخراط المباشر الذي قد يعرّضها لضربات موجعة، إلا أن الواقع أثبت أن هذه الاستراتيجية لم تعد صالحة وفقدت فاعليتها، فالتطورات العسكرية والتكنولوجية، إلى جانب التحولات في موازين القوى، كشفت حدود هذا النهج، وأظهرت أن أدوات النفوذ التقليدية لم تعد كافية لفرض الإرادة أو حتى لحماية المكتسبات، ومن هنا، فإن إيران تجد نفسها أمام مفترق طرق حاسم، حيث تتعدد السيناريوهات، لكنها جميعًا تعكس حجم المأزق الذي تعيشه.
أحد أبرز المسارات المحتملة يتمثل في الانكفاء القسري، حيث تضطر طهران إلى تقليص حضورها الإقليمي تحت ضغط الاستنزاف العسكري والاقتصادي، فالحروب لا تُخاض بلا تكلفة، ومع تزايد الأعباء المالية وتراجع القدرة على تمويل الأذرع الخارجية، يصبح الانسحاب التدريجي خيارًا مفروضًا لا مفر منه، هذا التراجع لا يعني فقط فقدان النفوذ، بل انهيار شبكة التأثير التي بنتها إيران على مدار سنوات، وهو ما ينعكس مباشرة على قدرتها على المناورة في المنطقة والإقليم.
وفي مقابل هذا التراجع، قد تلجأ إيران إلى خيار آخر لا يقل خطورة، وهو التصعيد كوسيلة للهروب إلى الأمام، هذا النمط من السلوك، الذي يقوم على توسيع نطاق التوتر وفتح جبهات متعددة، يهدف إلى خلط الأوراق وفرض معادلات جديدة على الأرض، إلا أن هذا الخيار يحمل في طياته مخاطر مضاعفة، خاصة في ظل تنامي القدرات الدفاعية لدول الخليج، وتزايد مستوى التنسيق الأمني فيما بينها، فالمعادلة لم تعد كما كانت في السابق، ودول الخليج باتت تمتلك من أدوات الردع ما يجعل أي مغامرة غير محسوبة مكلفة إلى حد قد يتجاوز قدرة إيران على الاحتمال.
وعلى الصعيد الداخلي، تبدو التحديات أكثر تعقيدًا، إذ لا يمكن فصل الخارج عن الداخل في الحالة الإيرانية، فالأزمات الاقتصادية المتراكمة، من تضخم وارتفاع في الأسعار وتراجع قيمة العملة، تشكل بيئة خصبة للاحتقان الشعبي، وإذا ما ترافقت هذه الضغوط مع تداعيات نتائج الحرب، فإن احتمالات الانفجار الداخلي تصبح حتمية وأكثر واقعية، فالشعوب في نهاية المطاف، تقيس سياسات دولها بمدى انعكاسها على حياتها اليومية، وأي شعور بأن الموارد تُستنزف في مغامرات خارجية قد يدفع نحو موجات احتجاج وغضب عام يصعب احتواؤها.
وفي خضم هذه التعقيدات، قد تجد القيادة الإيرانية نفسها مضطرة لإعادة النظر في مجمل سياساتها، سواء عبر الانفتاح على تسويات سياسية أو العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أقل، غير أن هذا التحول، إن حدث، لن يكون مجرد تعديل تكتيكي، بل يتطلب مراجعة عميقة لأسس السياسة الخارجية، والانتقال من منطق التوسع إلى منطق الدولة، وهو تحول يبدو صعبًا في ظل التركيبة الأيديولوجية للنظام، لكنه قد يصبح ضرورة إذا ما ضاقت الخيارات.
في المقابل، يبرز المشهد الخليجي بصورة مختلفة تمامًا، حيث استطاعت دول الخليج خلال السنوات الماضية أن تعيد صياغة دورها الإقليمي على أسس أكثر توازنًا وواقعية، فقد انتقلت من موقع الدفاع ورد الفعل إلى موقع الفعل والتأثير، مستندة إلى مزيج من القوة الاقتصادية، والتحديث العسكري، والانفتاح السياسي. هذا التحول منحها قدرة أكبر على التعامل مع التحديات، وجعلها طرفًا رئيسيًا في معادلة الاستقرار الإقليمي.
كما أن النهج الذي تتبناه دول الخليج، والقائم على تعزيز التنمية الداخلية وبناء شراكات دولية متوازنة، يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة المرحلة، فالقوة لم تعد تقاس فقط بالقدرات العسكرية، بل بالقدرة على تحقيق الاستقرار وجذب الاستثمارات وبناء اقتصاد متنوع، وفي هذا السياق، تبدو الفجوة بين النموذجين الإيراني والخليجي واسعة وواضحة، حيث يذهب الأول نحو مزيد من التعقيد، بينما يمضي الثاني في الاتجاه الأكثر استقرارًا ووضوحًا.
إن المأزق الإيراني بعد الحرب لا يمكن اختزاله في خسارة هنا أو هناك، بل هو أزمة بنيوية تمس جوهر المشروع السياسي الذي تبنته طهران لعقود، وبينما تتعدد السيناريوهات، يبقى الثابت أن البيئة الإقليمية لم تعد تسمح بذات الأساليب القديمة، وأن التوازنات الجديدة تُفرض بمنطق مختلف، بينما تبدو دول الخليج أكثر استعدادًا لقيادة مرحلة جديدة تقوم على الاستقرار والتنمية، في وقت تجد فيه إيران نفسها أمام استحقاق تاريخي، إما أن تعيد تعريف دورها، أو تواصل الانزلاق في مسار يزيد من عزلتها وتعقيد أزمتها.
في لحظات التحوّل الكبرى، لا تسقط المشاريع بضربة واحدة، بل تتآكل من الداخل حين تعجز عن قراءة الزمن، وتصرّ على إعادة إنتاج أخطائها، وهنا تحديدًا يكمن جوهر المأزق الإيراني؛ فالمشكلة لم تعد في خصوم الخارج بقدر ما أصبحت في بنية خيارٍ استنزف نفسه حتى النهاية، فالدول لا تُهزم فقط حين تُقصف، بل حين تفقد قدرتها على التكيّف، وحين تتحول أدوات قوتها إلى أثقال وأحمال وقيود تقيد حركتها.
وفي المقابل، يفرض الخليج معادلة مختلفة؛ معادلة تُبنى على العقل لا المغامرة، وعلى التوازن لا الفوضى، وعلى الاستثمار في المستقبل لا الارتهان لصراعات الماضي، وبين مشروعٍ يضيق بأزماته، وآخر يتسع برؤيته، تتحدد ملامح المرحلة القادمة.
إنها ليست نهاية صراع بقدر ما هي نهاية مرحلة... مرحلة كانت فيها الفوضى أداة نفوذ، وأصبح فيها الاستقرار هو القوة الحقيقية، وفي هذا التحول، لن يكون الصوت الأعلى لمن يرفع السلاح، بل لمن يملك القدرة على بناء السلام وصناعة المستقبل.