عقيل وساف
يقول أبو الطيب المتنبي: «والظلم من شيم النفوس،
فإن تجد ذا عفة فلعله لا يظلم».
لكن المأساة في العصر الحديث لا تكمن في وقوع الظلم كفعل مجرد، بل في «مأسسته» وتسويغه تحت غطاء السياسة وذرائع المصالح العليا. في هذا الفضاء، يُعاد تعريف القتل، وتُطوع اللغة لتخفيف وقع الدم على المسامع، مما يمنح القسوة وجهاً مقبولاً ويحول الجريمة إلى «إجراء متفهم».
ومنذ عصر الأنوار، رُفعت شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان كمبادئ كونية، لكن الواقع يكشف أنها كثيراً ما تحولت إلى أدوات تُستدعى لتبرير التوحش وتُعلق حين تُربك المصالح.
إن السياسة، بطبيعتها، تدعي الأخلاقية دائماً؛ فمنذ فلاسفة الإغريق وصولاً إلى العصور الحديثة في أوروبا، سعت السلطة دائماً لموائمة أفعالها مع منظومة أخلاقية معينة. ومع ذلك، تُساق الأخلاق كخطاب لتبرير ما تقوم به القوة، مما يفرض مواقف انتقائية في اتباع هذه المبادئ. فالدولة الحديثة، بوصفها كياناً ناتجاً عن عقد اجتماعي مفترض، تدعي أنها تنشر الأخلاق لتحمي المجتمع من أفراده، لكن الحقيقة أن الاتفاق على ماهية هذه الأخلاق يعتمد على المدرسة التي تتبعها الدولة؛ فبين واقعية «ماكيافيلي» ومثالية «كانط» أو «هيجل»، تظل الأخلاق في سياق الدولة وسيلة لضبط العلاقات الاجتماعية وتوجيه المجتمع نحو مستقبل ترسمه السلطة.
في الواقع السياسي، تصبح المنفعة والمصلحة الواقعية هي «أخلاق السياسة» الحقيقية، وإن سُوقت كقيم كونية. ومع بروز القومية في القرن التاسع عشر، أصبحت المصلحة القومية تعلو فوق كل شيء، وإذا وقع التناقض بين مصلحة قومية وأخرى، فإن القوة هي التي تفرض أخلاقها.
تاريخياً، نجد أن إعلان حقوق الإنسان والمواطن في الثورة الفرنسية، رغم بريقه، استثنى العبيد والنساء والأطفال والجانب، فيما يُعرف بالمواطن السلبي. وحتى الليبرالية المعاصرة، التي تدعي التوسع والشمول، لا تزال تبرر تاريخ الولايات المتحدة الإقصائي، معتبرة أن حصر حقوق التصويت في الرجال البيض أصحاب الأملاك كان «مقبولاً في وقته»، محولةً التمييز العنصري وجرائم إبادة السكان الأصليين إلى مجرد «مراحل تطورية» في مسار الديمقراطية.
هذا المنطق الأخلاقي الانتقائي هو الذي أسس للسياسة الاستعمارية؛ حيث اخترعت أوروبا مصطلحات «الحضارة» و»الثقافة» في القرن التاسع عشر لتعني «الحضارة الأوروبية» حصراً، واضعةً الشعوب الأخرى في درجات أدنى على سلم حضاري متخيل. هذا السلم برر استعمار بلاد الآخرين بوصفه «رسالة تمدين». وحتى ملكية الأرض أُعيد تعريفها أخلاقياً؛ فالفكر الليبرالي الكلاسيكي، كما عند «جون لوك»، اصر على أن سلب أراضي الشعوب الأصلية في أمريكا ليس سرقة، لأن تلك الشعوب لم تكن تمارس الزراعة المستقرة بأسلوب أوروبي، وبالتالي لا تملك حق الملكية.
وبعد الحرب العالمية الأولى، استمر هذا النهج تحت مسمى «الانتداب» الصادر عن عصبة الأمم، حيث قُسمت الشعوب إلى فئات؛ فاعتبرت شعوب بلاد الشام والعراق «غير جاهزة» لحكم نفسها وتحتاج لهداية «المتحضرين». كان هذا استعماراً بصيغة جديدة ترفع شعار «حق تقرير المصير». ومع نهاية الاستعمار التقليدي، برز «الاستعمار الجديد» الذي اتخذ من «نشر الديمقراطية» حجة بديلة للمهمة الحضارية القديمة، وهو مصطلح مقنع استُخدم لشرعنة التدخلات العسكرية والسيطرة على الموارد.
وفي هذا السياق، لم تكن النخب الثقافية والعلمية بعيدة عن خدمة هذه القوة؛ ففي حروب عدة مثلاً، قدم علماء الأنثروبولوجيا وعلم النفس استشارات للحكومة الأمريكية حول كيفية إذلال الإنسان في هذه البلدان ومعرفة حدود تحمله للتعذيب النفسي والجسدي. إن النخب الأكاديمية في الغرب غالباً ما تخدم الدولة الإمبريالية، تماماً كما برر مثقفو عهد «هتلر» سياساته العنصرية التي لم تكن، في جوهرها القانوني آنذاك، تختلف كثيراً عن القوانين العرقية في بريطانيا أو الولايات المتحدة في تلك الفترة.
تتجلى هذه الجدلية بوضوح في قضية فلسطين؛ فقد تغير تصوير الفلسطيني في العقل الغربي من «لاجئ» بعد عام 1948، إلى «إرهابي» مع نشوء المقاومة، ثم إلى «ضحية نبيلة» بعد مجازر صبرا وشاتيلا، بشرط ألا يقاوم. لكن بمجرد ممارسة المقاومة الفعلية، كما في «طوفان الأقصى»، سقط القناع الأخلاقي الغربي فوراً، وأصبح التضامن مشروطاً بالتنديد بالمقاومة أولاً.إن العقل الغربي الذي يمد إسرائيل بالسلاح رغم مشاهد المجازر الحية، يعتمد على «هندسة لغوية» واعية؛ حيث تُستخدم مصطلحات مثل «الرد على العدوان» بدلاً من «الاحتلال»، وتصدر تعليمات واضحة للمحررين في الصحف الكبرى للامتناع عن استخدام كلمات مثل «مذبحة» أو «فلسطين» حين يكون الضحايا فلسطينيين.
إن القانون الدولي اليوم يواجه عملية تقويض شاملة؛ فهذا القانون الذي نبت في رحم الاستعمار لتقنين حكم الشعوب الأصلية، يتم تدميره الآن لأن بعض «ثغراته» بدأت تُستخدم لإدانة القوي أو محاصرة الضعيف وبالرغم من وجود حراك طلابي وشعبي غير مسبوق في الغرب، إلا أن ترجمة هذا الحراك إلى تغيير في السياسة الخارجية تظل محل شك، لأن السياسة الدولية تُصاغ في غرف مغلقة بعيداً عن صناديق الاقتراع، وتتحكم فيها نخب تضع «بقاء النموذج» و«المصالح المادية» فوق أي اعتبار أخلاقي.
في النهاية، تظل الأخلاق في السياسة مجرد لغة مرنة، يُعاد صياغتها لتبرير القوة.
والأزمة ليست في ندرة القيم، بل في تحولها إلى «حصان طروادة» لاختراق المجتمعات وتغيير تقاليدها تحت مسميات «التمكين» و«التحديث»، بينما يظل الجوهر هو السيطرة وإدامة التبعية.