أ.د.عثمان بن صالح العامر
من نافلة القول هنا: إن بلادنا المملكة العربية السعودية بما حباها الله من قدسية المكان -حيث الحرمين الشريفين- هي قبلة المسلمين أجمع، أينما كانوا، وفي أي دولة وجدوا، وهي اليوم إضافة إلى ما سبق أعلاها من كونها وجهة تهوى إليها أفئدة الملايين حجاً وعمرة، صلاة ودعاء، صارت بما منّ الله به عليها من قيادة حكيمة عازمة حازمة، وبما حبها الرب سبحانه وتعالى من خيرات الأرض وكنوزها، ولوجود علماء ربانيين وفقهاء معتبرين وأكاديميين مبرزين ومعروفين عالمياً قبلة سياسية واقتصادية وعلمية للبشرية قاطبة، وهذا يعني أنه يفد إلى الوطن إنسان المجتمع الدولي من مختلف الأجناس والألوان واللغات والأيديولوجيات و... لأسباب مختلفة، ولكل من هؤلاء الوافدين مرجعيته الثقافية الشعبية التي لا تنفك عنه، وجزماً هي ثقافة مباينة لثقافاتنا السعودية المتوارثة، البعض من هذه الجاليات الوافدة استقرت وطاب لها المقام في مدينة من مدننا الغالية خاصة مكة والمدينة فكان منها التكيف الثقافي والتعايش التام مع البيئة الثقافية الجديدة التي نمت فيها وتكاثرت حتى أصبحت تشكل جزءا من مكوننا المحلي، مثلها في ذلك من قدم بصفته الشخصية طلبا للقمة العيش أو للدراسة أو… وتعاملنا معه من خلال البعد المادي دون أن نكترث بمعرفة تكوينه وخلفيته الثقافية التي تثري في النهاية معرفتنا بالأنثروبولوجيا العالمية (علم الإنسان) في المقابل كان من إنسان الوطن الانفتاح الكامل على العالم الخارجي سواء من خلال البعثات الدراسية أو الرحلات السياحية أو الصفقات التجارية وواكب هذا التغير المجتمعي سهولة التواصل مع الآخر من خلال مواقع الإنترنت المعروفة في العالم الافتراضي مما جعل هناك تثاقفاً شعبياً واسعاً، ولم يخضع لا هذا ولا ذاك (الوارد والصادر) للتشخيص والتحليل والنقد، إذ إن هذا الشيء كان غالباً غائبا في مجتمعاتنا الأكاديمية حتى تاريخه، مع أنه في نظري حقل معرفي مهم، يستحق من جامعاتنا السعودية الالتفاتة العلمية الرصينة له، أعني دراسة (سلوك الإنسان الثقافي) مع الاعتراف بأن هناك جهوداً شخصية نتج عنها أبحاث علمية محكمة، ومؤلفات أكاديمية معتبرة إلا أنها تندرج تحت تخصص (علم الاجتماع) لا (الدراسات الثقافية)، وما احتوته بعض الروايات السعودية ذات البعد الواقعي التي تحكي شيئاً من ثقافتنا الشعبية هي قليلة جداً، وإن كانت في نظري رافداً مهماً من روافد الدراسات الثقافية المستقبية. وتأتي الموافقة الكريمة من لدن مقام مجلس الوزراء الموقر على تأسيس المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية في المملكة العربية السعودية حدثاً مفصلياً في هذا الحقل المعرفي المهم، وإنني على ثقة كبيرة بأن هذا الصرح العلمي الجديد سيكون كما قال عنه سمو وزير الثقافة (منصة علمية سعودية وراوياً موثوقاً لثقافتنا ويشكل إضافة نوعية لدراسات فهم الإنسان).
وفي هذا المقام لا يسعني -باعتباري محسوباً على هذا التخصص- إلى أن أرفع أسمى آيات الشكر والتقدير لقيادتنا الحكيمة الكريمة على موافقتها المباركة لتأسيس المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية وفي ذات الوقت أثمن لسمو وزير الثقافة صاحب السمو الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان آل سعود جهوده الحثيثة في رفع الشأن الثقافي على جميع الأصعدة وفي كل المجالات، وعلى رأسها ومن أهمها إعلان منصة خاصة لعلم الأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية، ودمت عزيزاً يا وطني وإلى لقاء والسلام.