خالد محمد الدوس
في زمن طغت فيه وفرة المعلومات على جودتها، وتنافست المنصات الرقمية على استنزاف أكبر قدر ممكن من الوقت والوعي البشري، برز مصطلح جديد يحمل في طياته قلقاً وجودياً عميقاً «التعفن الدماغي».
لم يعد هذا التعبير مجرد استعارة بلاغية، بل تحول إلى وصف دقيق لحالة من التدهور الفكري والإدراكي التي يعاني منها شريحة كبيرة من مستخدمي الإنترنت (عالمياً)، نتيجة الاستهلاك المفرط لمحتوى سطحي، متكرر، وغالباً ما يكون فارغاً من القيمة.! يشير «التعفن الدماغي» إلى التأثير التراكمي لاستهلاك كميات هائلة من المحتوى التافه عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات الفيديو. هذا المحتوى، الذي يُصمم عادة ليكون سريع الهضم، صادماً، أو مضحكاً بشكل مبتذل، لا يترك مجالاً للعقل للتفكير أو التحليل أو حتى التذكر.
إنه مثل «الوجبات السريعة» للذهن، تشبع الجوع المؤقت للمشاهدة لكنها تجوع الروح والعقل معاً على المدى البعيد..!!
لم يعد الأمر مقتصراً على مشاهدة فيديو ترفيهي بعد يوم عمل شاق، بل تحول إلى انغماس يومي في دوامات لا نهائية من «الميمات»، ومقاطع الفيديو القصيرة، والتحديات السخيفة، والمشاهير الرقميين الذين لا يقدمون أي محتوى حقيقي سوى حياتهم الشخصية.!
وبالطبع فإن للتعفن الدماغي أعراض واضحة على الفرد: ومنها تآكل مدى الانتباه.. أي تراجع القدرة على التركيز في مهمة واحدة لأكثر من بضع دقائق. يصبح من المستحيل قراءة كتاب أو متابعة فيلم طويل دون تفقد الهاتف.. إلى جانب فقدان القدرة على التحليل العميق.. أي يعتاد العقل على تلقي المعلومات بشكل جاهز ومبسط، فيفقد مرونته في التفكير النقدي، وتحليل الأفكار المعقدة، والربط بين المفاهيم.
وأيضاً تسطيح المشاعر والقيم..
عندما يصبح كل شيء متاحاً للمشاهدة والسخرية، بما في ذلك القضايا الجادة والمآسي الإنسانية، فإن ذلك يؤدي إلى» بلادة عاطفية». يتحول كل شيء إلى «محتوى»، حتى أخطر الأحداث تفقد هيبتها وتصبح مادة للاستهلاك السريع. هذا فضلا عن فقدان الإحساس بالوقت.. إذ إن الساعات التي تمضي في التمرير اللا نهائي تتبخر دون طائل، مخلفة وراءها شعوراً بالفراغ والندم.
والأكيد أن قضية» التعفن الدماغي» ليست مجرد مشكلة فردية، بل هي انعكاس لتحولات كبرى في بنية المعرفة والثقافة. الفيلسوف الكوري الألماني (الجنسية) بيونج تشول هان يصف عصرنا بأنه «عصر المعلومات» الذي فقد فيه المعلومات صفة «المعرفة» ليصبح مجرد «سلع» تنتج وتستهلك بسرعة..!!
في السابق، كانت المعرفة (قوة) لأنها نادرة وتتطلب جهداً. أما اليوم، فالمعرفة متاحة بكبسة زر، لكنها في نفس الوقت مدفونة تحت جبال من القش..! المفارقة أننا نعيش في عصر أغنى بالمعلومات، لكننا ربما نكون الأكثر سطحية في التعامل معها. التحدي لم يعد في الوصول إلى المعلومة، بل في غربلتها، وتعميقها، ومقاومة تيار التسطيح الجارف.
كما أن لهذه القضية بعداً خطيراً. فالمجتمع الإنساني الذي يصاب أفراده» بالتعفن الدماغي» يصبح مجتمعاً سهلاً للتضليل والتلاعب. فعندما تضعف ملكة النقد والتحليل، تصبح الشعوب فريسة سهلة للشائعات والأخبار الزائفة.
إن مصطلح «التعفن الدماغي» هو صرخة تحذير في وجه (زحف الرقمنة)..!! على جوهر إنسانيتنا. إنه دعوة لاستعادة السيطرة على وعينا، واختيار ما نغذي به عقولنا بعناية، كما نختار طعامنا لأجسادنا. ليست المشكلة في التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في الطريقة التي نستخدمها بها، وفي استسلامنا لمنطق الخوارزميات المصممة لاستبقائنا في حالة مشاهدة سلبية دائمة.
«التعفن الدماغي» يستدعي مقاربة سوسيولوجية رقمية تكشف عن البنى الخفية والعلاقات الاجتماعية الكامنة خلف هذا الوباء الفكري. «فعلم الاجتماع الرقمي» لا يقدم لنا مجرد وصف لما يحدث، بل يحلل كيف تعيد المنصات الرقمية إنتاج أنماط الهيمنة والتفاوت الاجتماعي، ولكن بثوب جديد وأدوات أكثر تطوراً.
ولا تبدأ خطوات العلاج.. إلا بالقراءة العميقة، والتأمل الصامت، والنقاش الجاد، وبناء المناعة الثقافية، والابتعاد عن «المحتوى الرخيص «الذي لا يضيف قيمة ولايبني فكرا. إنه خيار يومي بين أن نكون مستهلكين سلبيين للتقنية، أو بناة فاعلين لعقولنا وحضارتنا، قبل أن يصل العطب إلى ما لا يمكن إصلاحه..!!