علي الخزيم
- مُعلّق يَصِف مُجريات لقاء بين فريقين لكرة القدم المحببة لكثير من الجماهير؛ ما يعني أن فئات عُمرية متباينة مختلفة المدارك وتقييم العبارات تشاهد وتسمع لبعض أولئك المعلقين الواصفين، فحين يسمع الطفل والمراهق قول المعلق بأن اللاعب الفلاني قد تعامل مع الكرة أمام المرمَى (بذكاء ومُخاتَلة الذئب): فهو يمتدحه ويثني على ما يسميه الذكاء الذي يتمتع به اللاعب بمراوغته وخداعه لأعين مُحكّمي اللقاء ليحصل على ضربة جزاء أو نحوها دون وجه حق، هنا يكون المعلق قد تَجَنّى على الصغار (وأمثالهم من ذوي العقول محدودة الفهم) عندما أقنعهم بأن ما صنعه اللاعب يُعَد من الذكاء والاحترافية باللعبة؛ وأن خداع الآخرين والكسب بالغدر من علامات الفطنة!
- المهارة والاحترافية بالتعامل مع الكرة ومجريات اللقاء الكروي له معايير بينها احترام القوانين والقائمين على الفريق والمُحكّمين والجمهور المشاهِد الذي دفع مالًا ليستمتع بلعب نظيف يُفصح عن نيَّات اللاعبين المتميزين فنًا وأخلاقًا؛ وما تُكنّه أنفسهم وتختزنه قلوبهم تجاه فَن اللعبة وتجاه فريقهم وناديهم وللرأي الجماهيري العام، وحين يَغفَل المعلق عن حجم الآثار المترتبة على بعض عباراته التي يُطلِقها بحسن نية وقلة خبرة بأبعاد مردودها التربوي الأخلاقي: فإن عقول الصغار تلتقط وتختزن معانيها كمُسلَّمات متعارف عليها ويبنون عليها كثيرًا من تصرفاتهم بالمنزل والمدرسة وغيرها لأن المعلق قد أقنعهم بأن هذه من علامات الذكاء والحكمة!
- قد يرى بعض المعلقين أن ما يتفوهون به من عبارات - كالمثال أعلاه - هو مِمَّا درجت عليه وسائل الإعلام وما تعارف عليه المعلقون والمحللون في البرامج الرياضية؛ فهل يُسلِم المعلق عقله ومشاعره لمعلق سابق قد تكون قلة خبرته آنذاك سَلَكَت به ذاك المسلك ولم يجد من ينبهه لما يقع به من أخطاء تعبيرية تؤثر سلبًا على مفاهيم الصغار والناشئة؟ ولذا: فواجب اللاعبين كافة تطوير مهاراتهم وترقية ثقافاتهم ليلامِسُوا -مِن خلال اللعب- أخلاق الفرسان ومبادئ الذوق الرفيع والتفاني في سبيل الرقي بمستوى اللعبة وما يتعلق بها من قوانين وفنون لتكتمل متعة المشاهدة، وليكون اللاعب قدوة حسنة بدل أن يكون عكس ذلك.
- ومن شِيَم العرب وآدابهم المُشرِّفة حين التنافس بسباقات الخيل والمبارزة والمحافل الأدبية والشعرية: انتقاصهم مِمَّن تساوره نفسه بمجرد التفكير والنّية للمُخاتلة أو تغيير نمط التباري بميادين تتنافس فيها المواهب عندهم لتُعرف منها درجات التفوق بينهم، ويعيبون على من يحاول المُخاتَلة ونِسبَة التَمَيّز له دون وجه حق، وأيّام العرب الأوائل التي هي قدوة للأواخر قد شهدت مواقف ومواقع وصَل فيها الخلاف إلى حد المواجهة القتالية لأنهم لا يقبلون بأي حال الخديعة والغدر بكل صنوفها وألوانها؛ وتكون على من افتعلها سُبَّة تدوم وتلاحِق أحفاده.
- من ذلكم قصة حرب (داحِس والغَبْراء) حيث فازت الفرس الغبراء بخدعة كانت سببًا لتعثر داحس المتقدم بالسباق؛ في رِهَان بين فرعين من غطفان هُما (عَبْس وذُبْيَان) بعد أحداث سبقت ومَهَّدت لهذا الرهان، ودامت الحرب عشرات السنين تَخْبو ثم تشتعل؛ لكنها عبَّرت عن رفضهم للمخاتلة والخديعة؛ فأين شباب اليوم من هذه المواقف؟!