د. طلال الحربي
في لحظات الاختبار الحقيقي، تتكشّف طبيعة الدول وعمق مؤسساتها، ويتضح الفارق بين من بنى على أسس راسخة ومن اكتفى بالقشور. وما تشهده المنطقة اليوم من توترات واضطرابات يضع الكل أمام محكّ لا هروب منه، فإما أن تثبت المؤسسات جدارتها أو تنكشف هشاشتها في أول عاصفة.
والمملكة العربية السعودية، في خضم هذا كله، تُقدّم نموذجاً يستحق الوقوف عنده بعيون المحلل قبل عيون المواطن.
ليس مصادفةً أن يواصل المواطن السعودي حياته بأريحية تامة، وأن تظل عجلة الاقتصاد دائرة، والفعاليات قائمة، والأسواق منتظمة، في الوقت الذي تلفّ فيه القلاقل محيطنا الإقليمي. هذا الاستقرار لم يأتِ من فراغ، بل هو حصاد سنوات من البناء المؤسسي الصبور ورؤية استراتيجية بعيدة الأفق.
فمنذ انطلاق رؤية 2030 تحت قيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لم يكن المشروع مجرد خطط اقتصادية على ورق، بل كان في جوهره إعادة هندسة للدولة السعودية بأكملها: مؤسساتها وأولوياتها ومنظومة قيمها وآليات صنع قرارها. واليوم، حين تُختبر هذه البنية تحت الضغط، يظهر الفارق جلياً.
ثمة معادلة يفهمها كل من يعيش على هذه الأرض: أن السماء محروسة. رجال الدفاع الجوي يؤدون مهمتهم بصمت المحترفين، وهذا الصمت هو في حد ذاته رسالة طمأنينة لا تحتاج إلى بيان. وزارة الدفاع لا تتحدث كثيراً لأن أفعالها تتحدث عنها.
في المقابل، وزارة الداخلية تحفظ النسيج الداخلي للمجتمع بنفس القدر من الجدية، فالأمن بشقيه الخارجي والداخلي كتلة واحدة متكاملة، ولا استقرار حقيقي حين يختل أحد ضلعيه. القيادة تدرك هذه المعادلة جيداً، وهو ما ينعكس في التنسيق المؤسسي المحكم بين الجهتين.
ولعل المؤشرات الأكثر دلالة في وقت التوترات ليست التصريحات، بل حركة المتاجر، وأرفف المحلات، وأسعار السلة الغذائية، وتدفق الكهرباء والمياه في كل بيت.
وزارة التجارة تضمن انتظام السوق وتردع الاستغلال. ووزارة الطاقة تُدار بعقلية مؤسسية محترفة تجعل من احتمال أي انقطاع سيناريو شبه مستحيل في الحسابات الواقعية. ووزارة البيئة والزراعة والمياه ووزارة البلديات والإسكان كلها تعمل معاً لضمان أن ما يمس حياة المواطن اليومية يبقى بمنأى عن تقلبات الإقليم.
المخزونات الاستراتيجية ليست قراراً اتُّخذ في اللحظة الأخيرة، بل هي نتاج سياسة منهجية لإدارة الاستيراد والاحتياطي وتنويع مصادر الإمداد، وهذا بالضبط ما يجعل التبعية الاقتصادية للأزمات الخارجية محدودة الأثر.
ولعل من أكثر ما يكشف عمق التخطيط السعودي ونضجه المؤسسي ما أثبتته وزارة النقل والخدمات اللوجستية في هذه المرحلة بالذات. فحين تشحّ منافذ الحركة في دول الجوار وتتعطل شرايين التنقل والتجارة، تتحول موانئ المملكة ومطاراتها ومعابرها الحدودية وشبكة قطاراتها إلى رئة يتنفس منها الإقليم بأسره.
هذا لم يكن وليد الصدفة. فالاستثمار الضخم في منظومة النقل السعودية على مدار السنوات الماضية، من توسعة الموانئ إلى تطوير المطارات إلى تحديث المعابر البرية ورفع كفاءة خطوط السكك الحديدية، كان يُبنى أصلاً على رؤية تتجاوز الحدود الوطنية نحو دور إقليمي محوري. واليوم تُقطف ثمار هذا التخطيط البعيد، فالمملكة لا تكتفي بأن تحمي استقرارها الداخلي، بل تمتد يدها لتكون صمام أمان لأشقائها وجيرانها في لحظات عسرة.
و أن تتحول البنية التحتية، التي صُمّمت في الأصل لخدمة التنمية الاقتصادية، إلى أداة دبلوماسية إنسانية ناعمة تُعبّر عن مكانة المملكة ودورها في المنطقة.
ربما يكون من أبلغ الرسائل أن الفعاليات الثقافية والترفيهية ماضية كما خُطط لها. ليس تجاهلاً لما يحدث من حولنا، بل تأكيداً صريحاً أن الحياة لن تُؤجَّل، وأن المجتمع السعودي قادر على أن يعيش بكامل حيويته دون أن يكون رهينة لمناخ إقليمي متقلب.
هذا القرار في حد ذاته سياسة. سياسة تقول: نحن هنا، ومستمرون، وواثقون.
لا يعني هذا غياب التحديات. لكن ما يمكن قوله بثقة هو أن هذه الدولة تمتلك اليوم منظومة حوكمة قادرة على الصمود، ومؤسسات تعمل بمنطق واحد متسق، وقيادة تُحوّل رؤاها إلى أفعال ملموسة تُحسّ بها في حياة الناس اليومية.
وهذا، في عالم مليء بالاضطراب، ليس أمراً عادياً.