سعدون مطلق السوارج
ليس الخطر فيما يُرى فقط، بل فيما يُراد له أن يتسلل خفيةً إلى الوعي. وهنا، حيث يقف الخليج بتاريخٍ ممتد ووعيٍ متجذر، تتجلى الحقيقة الأهم: أن الأوطان لا تُحمى بالسلاح وحده، بل بوحدة القلوب، ويقظة الشعوب، وصلابة الانتماء.
في كل ذرةٍ من تراب هذا الخليج، وفي كل نسمةٍ تعبر سواحله، يسري حب الأرض كما يسري الدم في العروق. كل قلبٍ خليجي ينبض بالانتماء، وكل نفسٍ يردد صدى العزة والصمود. هذا الخليج ليس مجرد رقعة جغرافية، بل شرفٌ متوارث، ووفاءٌ متجذر، وعقيدةٌ راسخة تُبقي رايته مرفوعة بإذن الله.
ومنذ الأزمان، كانت المجالس والدواوين مدارس للولاء والانتماء، تلتقي فيها الأجيال، وتُروى قصص البطولة، ويتردد فيها الشعر الذي يغرس حب الأرض في النفوس، ويؤسس لمعنى الصمود في مواجهة التحديات. هناك، لم تكن الكلمات مجرد حديث، بل كانت وعيًا يُبنى، وروحًا تُغرس، وهويةً تتشكل.
وفي أوقات المحن، حين تتعاظم التحديات، يظهر المعدن الحقيقي للإنسان الخليجي؛ صبرٌ لا ينكسر، ووحدةٌ لا تتصدع، وإيمانٌ بالله يسبق كل قوة. فالقوة الحقيقية لم تكن يومًا في السلاح وحده، بل في القلوب التي توحدت، وفي الوعي الذي سبق الخطر، وفي الإرادة التي لا تعرف التراجع.
الدين الحنيف وحسان بن ثابت
وقد علمنا هذا الدين الحنيف، وعلّمنا التاريخ من مواقف العرب والمسلمين، أن الكلمة المشحونة بالوفاء والحماس قد تكون سلاحًا لا يقل قوة عن أقوى السيوف، وأن نصرة الحق تبدأ باللسان قبل اليد.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله بسلاحهم أن ينصروه بألسنتهم؟».
فأجاب حسان بن ثابت رضي الله عنه: «أنا لها»، وتعهد أن يرد على أعداء الإسلام بالكلمة والشعر، مستندًا إلى الوفاء والحرص على نصرة الدين والمسلمين، مع مراعاة عدم الإساءة للأقارب أو غير المسلمين دون مبرر.
وهذا المعنى يتجدد اليوم، حيث لم تعد المواجهة تقتصر على ميادين القتال المباشر، بل امتدت إلى ميادين الوعي، فأصبحت الكلمة المسؤولة، والموقف الصادق، والانتماء الواعي، خطوط دفاع متقدمة في وجه كل محاولة تستهدف زعزعة الأمن أو بث الفرقة داخل المجتمعات الخليجية.
التهديدات الإيرانية والصواريخ
والخلايا التخريبية
وفي ظل ما تشهده المنطقة من تصعيد سافر من إيران، وهجمات متكررة وسريعة، تحمل طابعًا همجيًا ومتعمدًا لإثارة الفوضى وزعزعة الأمن الخليجي، لم تعد التهديدات تقليدية أو مباشرة فحسب، بل تنوّعت أدواتها وتبدلت وجوهها؛ من صواريخ باليستية دقيقة، وطائرات مسيّرة مسلحة، إلى محاولات اختراق خفية تعمل على بث الفرقة، واستهداف تماسك المجتمعات من الداخل عبر الخلايا التخريبية.
هنا تتجلى خطورة المرحلة؛ فالمواجهة لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت معركة وعي وإدراك واستعداد دائم، تتطلب يقظة جماعية، تماسك داخلي، وإيمان راسخ بأن وحدة الصف هي الحصن الأول، وأن الإنسان الخليجي الواعي هو خط الدفاع الأقوى أمام كل عدوان وسلوك همجي.
الشعر والوفاء
وفي مواجهة هذه التحديات، يستحضر الوجدان الخليجي قيمه الأصيلة، التي لم تُبنَ على الرفاه، بل على الصبر، ولم تُصن بالسهولة، بل بالتضحيات. قيمٌ عبّر عنها الشعر بصدق، واختزلت معاني الثبات والوفاء، حين قال الشاعر خلف بن هذّال:
«وطنّا ما نبيعه مثل من باعوا ولا نعطيه
أسامينا على صحراه مرسومة ومطبوعة
صبرنا فيه يوم إنه دهور وهالكٍ ظاميه
شحيح الماء همّاج ولا يبلّ الكبد قرطوعه
صبرنا فيه حفيا والخلا بأقدامنا نطويه
وحزّمنا البطون ولا ذبحنا الجوع في جوعه»
هذه ليست مجرد أبيات تُروى، بل عقيدة وفاء تُستعاد، تؤكد أن الأرض التي صُنعت بالصبر لا تُفرّط بها الأجيال، وأن الوعي المتجذر فيها أقوى من كل محاولات العبث، ظاهرها وخفيها.
كما عبّر الشعر عن عمق الانتماء حين يصبح الوطن روحًا تسري في الإنسان:
«حب هذه الأرض يسري في عروقي
مسرى نور الشمس في وقت الشروقي
مُعلناً، روحي فداءً للوطن
وعد حرٍ في الملمات صدوقي
لا تسألني من أنا واسأل فعالي
دائمًا تسمو إلى كل المعاني
نحن عند الأمن مصباح الليالي
وفي الشدائد نرتقي بثباتٍ وتفاني
واجبي أن نحرس الأمن وأبقى
مخلصًا للحق أرقى حيث يرقى»
ويزداد هذا المعنى رسوخًا في الوجدان الخليجي حين يعلو صوت الفزعة والوفاء، كما عبّر الشاعر مرشد البذال، رحمه الله:
«حنا فدايا البلد.. والدار تشره علينا.. وقت اللوازم نبين
الحين والا بعد.. محدن تهقوا وطنا من ماضيات السنين
كوبان يا من قعد.. ما شفت فعل النشاما.. لطامة العايلين
لعيون ضافي الجعد.. لا صوتن العذارى.. بالصوت يا الطيبين»
ويترسخ الانتماء أيضًا عبر روح الخليج الواحد، كما قال الشاعر عبداللطيف البناي:
«مصيرُنا واحد
وشعبُنا واحد
يعيش.. يعيش.. فاليعيش
الله أكبر يا خليجًا ضمّنا»
الخليج اليوم.. وحدة، قيادة و ولاء
الخليج اليوم شامخ بفضل الله وتوفيقه، ثم بإرادة شعوبه الموحدة، وتلاحم كلمتهم، وقيادات حكيمة تبني المستقبل، وتحمي الأمن، وتحفظ وحدة الصف في السراء والضراء. هذه الوحدة ليست مجرد اتفاق سياسي، بل جوهر متأصل في الشعب الخليجي، دينًا وعقيدة، ولاءً وحبًا ووفاءً لكل راعٍ حكيم يقود الطريق في الأوقات العسيرة والمراحل الصعبة.
كل بيت شعري، وكل مجلس شعبي، وكل موقف تاريخي، يعكس روح التضحية، ويجسد الانتماء العميق للوطن، والوفاء للقيادة الحكيمة. فالكلمة الحية، عندما تُنطق بالصدق والولاء، قد تكون أقوى من السيف، تحرك القلوب قبل الأجساد، وتزرع في النفوس شعلة الوفاء والحماسة، فتتحول إلى أفعال يومية: دعم القيادة، حماية الأرض، والحفاظ على قيم الوحدة والشجاعة.
خاتمة خليجية ملهمة
حب الوطن والخليج ليس شعورًا عابرًا، بل عهد متجذر في العروق، ينبض في قلوب كل مواطن خليجي. إنه التزام بالوفاء للأرض، والإخلاص للقيادة، والصمود أمام كل تحدٍ واعتداء، ومواصلة دعم الاستقرار مهما كانت الصعاب.
نعم، في كل مجلس شعبي، وفي كل ديوان، وفي كل بيت شعري، تتجدد الروح الوطنية، وتتوارث الأجيال حب الأرض والشجاعة. الخليج اليوم ليس مجرد أرض، بل هويةٌ تُصان، ووعيٌ يُبنى، ومصيرٌ يُحفظ بالإرادة والوفاء.
كل مواطن خليجي هو حارس لهذه الأرض، وجندي بالوفاء، وفارس بالكلمة والإخلاص، وكل كلمة وطنية هي سلاح يُرسم بها المستقبل. الوطن فينا: أرضًا وشعبًا وروحًا واحدة، ثابتة أمام التحديات، مضيئة في وجدان كل خليجي، حية في كل كلمة، وفية لكل عهد.
** **
- باحث في التراث الكويتي والخليجي