د. محمد بن أحمد غروي
دخل الإسلام إلى منطقة جنوب شرق آسيا عن طريق التجار العرب والمسلمون الذين نشروه في المنطقة بالاتصال والمعاملة مع السكان الأصليين، الذين أُعجبوا بالعرب وأخلاقهم الرفيعة.
ومع ترحال الكثير من العرب المسلمين إلى الأرخبيل واستقرارهم في المنطقة تم التمازج بين الثقافة الإسلامية وثقافة الملايو وإندونيسيا.
اللغة العربية والثقافة الإسلامية اندمجتا بشكل واضح في ثقافة الأرخبيل وفكره، فاستفاد المجتمع الملاوي من إرث الثقافة الإسلامية على اللغة بشكل كبير، إذ أشار المفكر الإسلامي سيد نجيب العطاس، أن أهم ظاهرة ثقافية نتجت مباشرةً عن تأثير الثقافة الإسلامية هي انتشار لغة الملايو وتطورها كوسيلةٍ ليس فقط للأدب الملحمي والرومانسي والتاريخي، بل وأكثر من ذلك للحوار الفلسفي. ومع اعتماد الكتابة الجاوية العربية، انتقلت ثقافة الملايو من التقاليد الشفوية إلى الكتابة، وهذا يُعدّ تقدماً كبيراً لأي مجتمع أو ثقافة، ومع استقر نظام الكتابة الجاوي ازدهر الأدب الملاوي المكتوب بسرعة كبيرة جنبًا إلى جنب مع الحكايا المنقولة والشعر بمختلف أنواعه.
يشير المؤرخ الماليزي خير الدين الجنيد في كتابه «الإسلام في ماليزيا.. تاريخ متشابك»، إلى أن الماليزيين بعد اعتناق الإسلام أسسوا دولاً وهيئات سياسية بارزة، وشبكات علمية واقتصادية نشطة، ومجتمعات راقية حافظت على مكانة الماليزيين في عالم يزداد ترابطاً.
تاريخيًا شهد المجتمع الماليزي عدداً من التغييرات مع الدخول في الإسلام وتنمية الفكر بين الملاويين، فقد أدخل الإسلام العديد من فروع العلم التي لم تكن موجوده آنذلك، كاللاهوت والفلسفة والتصوف والمنطق والشريعة وغيرها، فيما أدى نشر العلوم الإسلامية باللغة الملايو إلى استعارة الملاويين مفردات ومصطلحات من اللغة العربية، لتكون لغتهم وسيلة فعالة لتعليم هذه العلوم.
وفي إندونيسيا، التي يقطن فيها أكبر تجمع إسلامي حاليا، تأثرت لغتهم بوضوح باللغة العربية ومصطلحاتها، إذ تنتشر الكلمات المُستقاة من العربية في الحياة اليومية في المجتمع الإندونيسي، حتى أن إندونيسيا نفسها تُعرف بأنها منطقة ذات أغلبية عربية. ونظرًا لوجود العديد من المهاجرين من أصول عربية، فهناك نحو 3000 كلمة إندونيسية مُقتبسة من العربية، ولا يزال معظمها يحمل نفس المعنى من حيث النطق والمعنى، كما أن الخط الجاوي ذو حروف عربية حاضرة في ثقافة الأرخبيل.
ويُجرى تدريسه في عدد من المدارس بالمنطقة ما يؤكد استمرار حضور التلاقي بين اللغتين العربية والملاوية في الأرخبيل، فيما تتقاطع الثقافتين بتقدير واحترام الكبار وتقدير قيمة الأسرة وأهمية الأسرة الممتدة وتقديم العائلة كأولوية في ثقافة المنطقة.
وتتقاطع الثقافة العربية مع الأرخبيل صفة «الكرم» وتقدير الضيوف، إذ تُعدّ الضيافة جزءًا لا يتجزأ من الثقافة الإندونيسية، ويتجلى في الاعتقاد السائد بأن «الضيف ملكًا»، لذا، يفخر الإندونيسيون أيّما فخر بإظهار كرم الضيافة الحقيقي للزوار، مما يعكس القيمة الثقافية لمفهوم «سيلاه تورامي» أو بناء العلاقات، إذ يعمل الإندونيسيون دائمًا على جعل الضيوف يشعرون بالترحيب والتقدير.
تمثل الثقافة العربية ولغتها قوة ناعمة سبقت الدبلوماسية بقرون، لما لها من تأثير الثقافي والحضاري، وتحمل في داخلها قيمًا وأخلاقًا وتاريخًا غنيًا ممتدة ، وتسهم الثقافة العربية باستيعابها لمختلف الثقافات وتأثيرها على لغات الأرخبيل قوة ناعمة لما تحمله من إرث ثقافي من الأدب والشعر والفكر والفلسفة والعلوم، وبالتالي، تشكل الثقافة العربية رافداً رئيسياً للقوة الناعمة للمنطقة العربية في قلب الأرخبيل، يمكنها من تعميق العلاقات مع دول آسيان لما قدمته الثقافة العربية في ثقافة المنطقة وأدبها وعلومها وإثراء اللغات المحلية للمنطقة.
حبل الوصل الثقافي لغة مشتركة بين الشعوب بتجاوز حدود الجغرافيا وواقع حي في المفردات اليومية الناطقة بها ألسنهم، ما يمنح الدبلوماسية العربية أرضاً صلبة للتعاون الإستراتيجي مستندة على تراكم معرفي وعلاقة استمرت لمئات السنين.