د. منى بنت سعيد القحطاني
لم يعد التعليم في المملكة يُقرأ بوصفه منظومة مستقلة، بل بوصفه جزءًا من مشروع ثقافي أشمل يُعنى ببناء الإنسان وتشكيل وعيه. ومع إعلان وزارة الثقافة السعودية عن تأسيس جامعة الرياض للفنون، تتضح ملامح توجه جديد يعيد النظر في نقطة انطلاق التعليم، وفي طبيعة الدور الذي يؤديه في هذه المرحلة من التحول.
فالقضية لم تعد في إضافة جامعة إلى منظومة التعليم العالي، بل في إعادة تعريف الأساس الذي يقوم عليه التعليم ذاته. من أين يبدأ؟ وما الذي يسعى إلى بنائه؟ وحين تكون الثقافة هي نقطة الانطلاق، فإن التعليم لا يبقى مجرد عملية لنقل المعرفة، بل يتحول إلى عملية أعمق تُعنى بصناعة المعنى، وربط المعرفة بالهوية، وتوجيهها نحو إنتاج القيمة. إن هذا التحول يعكس إدراكًا متقدمًا بأن الثقافة لم تعد عنصرًا مكمّلًا، بل أصبحت أحد محركات التنمية، ورافدًا أساسيًا في تشكيل الاقتصاد الحديث. فالعالم اليوم لا تقوده الموارد فقط، بل تقوده الأفكار، والمحتوى، والصناعات الإبداعية التي تُبنى على الخيال بقدر ما تُبنى على المعرفة. ومن هنا، فإن تأسيس جامعة تُعنى بالفنون ليس مجرد استجابة أكاديمية، بل هو استثمار إستراتيجي في مستقبل الاقتصاد الوطني.
وفي هذا الإطار، تأتي التخصصات التي ستقدمها الجامعة -في مجالات الأفلام، والموسيقى، والمسرح، والتصميم، والأزياء، والتراث، والإدارة الثقافية- لتجسد هذا التحول. فهي لا تعكس تنوعًا معرفيًا فحسب، بل تعكس توجهًا نحو بناء منظومة متكاملة قادرة على تحويل الإبداع إلى صناعة، والموهبة إلى مهنة، والفكرة إلى منتج قابل للتداول والمنافسة.
وهنا تبرز أحد أهم التحولات التي يمكن أن تُحدثها هذه الجامعة، وهي إعادة تشكيل العلاقة بين التعليم وسوق العمل. فبدلًا من أن يبقى التعليم في مسار منفصل عن احتياجات الواقع، تأتي هذه الخطوة لتؤسس لنموذج يرتبط فيه التعلم مباشرة بقطاعات حيوية تشهد نموًا متسارعًا، وتحتاج إلى كفاءات نوعية قادرة على العمل في بيئات ديناميكية ومتغيرة.
غير أن الأثر الأعمق لا يقف عند هذا الحد، بل يمتد إلى إعادة تشكيل التجربة التعليمية ذاتها. فحين تصبح الفنون جزءًا من التعليم، تتغير أدوات التعلم، وتتسع مساحاته، ويتحول الطالب من متلقٍ إلى فاعل. لا يتعلم كيف يحفظ، بل كيف يفكّر، وكيف يبتكر، وكيف يعبّر. وهنا، يصبح التعلم تجربة حية، لا مجرد مسار أكاديمي تقليدي.
كما أن هذا النموذج يسهم في تعزيز التكامل بين التخصصات، حيث تلتقي الفنون مع التقنية، والإدارة مع الإبداع، والتراث مع الابتكار. وهذا النوع من التكامل لا يُنتج فقط معرفة مركّبة، بل يُنتج عقولًا قادرة على فهم التعقيد، والتعامل مع واقع متعدد الأبعاد، وهو ما يتطلبه عالم اليوم.
ومن زاوية أخرى، فإن هذه الجامعة تمثل رافدًا مهمًا لتعزيز الهوية الثقافية الوطنية، ليس بوصفها موروثًا يُحفظ، بل بوصفها طاقة حية تُعاد صياغتها وتقديمها للعالم. فالثقافة هنا لا تُستعاد فقط، بل تُنتج وتُطوَّر وتُصدَّر، لتكون جزءًا من الحضور العالمي للمملكة، وأحد عناصر قوتها الناعمة.
كما تفتح هذه الخطوة المجال أمام بناء شراكات أكاديمية ومهنية مع مؤسسات دولية، تسهم في نقل الخبرات، وتبادل المعرفة، وتعزيز جودة المخرجات التعليمية. وهو ما يضع هذه الجامعة في موقع يمكنها من المنافسة عالميًا، لا على مستوى التخصص فقط، بل على مستوى النموذج التعليمي الذي تقدمه.
إن تأسيس جامعة الرياض للفنون لا يمثل مجرد إضافة تعليمية، بل يعكس تحولًا في فلسفة التعليم ذاتها. تحول من تعليم يُبنى على المعرفة بوصفها غاية، إلى تعليم يُبنى على الثقافة بوصفها مصدرًا للمعنى، ومحركًا للإبداع، وأساسًا لصناعة المستقبل.
وفي هذا التحول، تتغير أولويات التعليم، وتتسع أدواره، ويتحول من كونه مرحلة زمنية محددة، إلى كونه عملية مستمرة تُلازم الإنسان في مسيرته. فلا يعود الهدف أن يتعلم الطالب ما هو قائم فقط، بل أن يكون قادرًا على الإسهام في تشكيل ما لم يتشكل بعد.
وفي النهاية، لا يكون السؤال: ماذا سيتعلم الطالب؟ بل: كيف سيفكّر؟ وماذا سيُنتج؟
هل نحن أمام جامعة جديدة... أم أمام بداية كتابة مختلفة للتعليم في المملكة؟