صالح الشادي
في زحمة المشاهد الإعلامية التي تملأ شاشات المواطن العربي، يلاحظ المتأمل ظاهرة تستحق الوقوف عندها: ذلك التصاعد في نبرات التحدي والاستعلاء، وذلك الانحدار أحيانًا في مخاطبة الآخرين من الشعوب والدول، سواء كانوا جيرانًا في الجغرافيا أو شركاء في التاريخ أو حتى خصومًا في السياسة. لا يجادل عاقل في أن لكل شعب حقًا أصيلًا في الاعتزاز بتاريخه، والفخر بأمجاد أجداده، والتغني ببطولات أسلافه. هذا الاعتزاز هو جزء من الهوية، وعنوان للانتماء، ومصدر للفخر الوطني المشروع. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا الاعتزاز إلى تعالٍ على الآخرين، وحين يصبح مبررًا للنظر إليهم من علٍ، أو للانتقاص من قدراتهم وإنجازاتهم.
المنطق السليم والأخلاق القويمة يخبراننا أن لكل شعب حدوده، وأن الأمم تتمايز بقدراتها وإمكاناتها وظروفها، لكن هذا التمايز لا يمنح أي طرف حق الاستعلاء أو التطاول. فالكل أمام الله سواء، واختلاف الفرص والإمكانات هو سنة كونية وحكمة إلهية لا دخل للبشر فيها. كثيرًا ما نرى خطابات إعلامية نارية، تمتلئ بالسخط والتجريح، وتزخر بلغة التهديد والوعيد. هذه الخطابات، التي قد تبدو في لحظتها مثيرة للحماسة، تحمل في طياتها مفاتيح شر لا تُحمَد عقباها. فهي إما أن تؤجج مشاعر العداء وتعمق جروح الخلافات، وإما أن تترك في النفوس حقدًا شعبيًا لا يزول بزوال الأسباب التي أوجدته. والأخطر من ذلك أن هذه الخطابات قد تتحول إلى سجون نفسية تحاصر صانعي القرار، وتجعل التراجع عن موقف متشدد أو تعديل مسار سياسي أشبه بالمستحيل، خوفًا من اتهام بالضعف أو التراجع.
إن تجارب الأمم والشعوب تعلمنا أن القوة الحقيقية لا تحتاج إلى إعلان، وأن المنطق والتواضع ليسا علامة ضعف كما يظن البعض، بل هما عنوان الرشد والحكمة. فالدول التي تمتلك مقدرات عسكرية واقتصادية لا تحتاج إلى ترديد ذلك في كل مناسبة، فوجودها وفعلها أبلغ من أي قول. التواضع في الخطاب، والمنطق في الطرح، وعدم المبالغة في الاستعلاء، كلها عناصر من شأنها أن تخلق مناخًا من الثقة المتبادلة، وتفتح أبوابًا للتعاون كانت موصدة، وتبني جسورًا للسلام والوئام بين شعوب المنطقة التي تستحق مستقبلًا أكثر إشراقًا مما نعيشه اليوم.
ما نشكو منه في عالمنا العربي ليس نقصًا في المقدرات أو ضعفًا في الإمكانات، بل هو أحيانًا خلل في الخطاب، وتضخيم في النبرة، ومبالغة في التعبير. نحن بحاجة إلى خطاب إعلامي يعبر عن قوة أمتنا دون استعلاء، ويحفظ كرامتنا دون انتقاص من كرامة الآخرين، ويدافع عن مصالحنا دون تجاوز على مصالح الجيران. إن مستقبل المنطقة العربية، بمشكلاتها المتراكمة وتحدياتها المتجددة، يحتاج إلى عقول تتجاوز لغة الانفعال إلى لغة العقل، وإلى خطابات تجمع ولا تفرق، وتبني ولا تهدم. نحتاج إلى إعلام يعي أن كلمته مسؤولة، وأن تأثيرها يمتد إلى عقول الأجيال وقلوبهم، وإلى علاقات الأمم بعضها ببعض.
هذه مجرد نصيحة يوجهها قلم إلى كل من يملك نافذة إعلامية أو منصة تواصل اجتماعي: لنتذكر أن وراء كل شاشة شعوبًا تتألم وتفرح وتطمح للعيش بكرامة وسلام. وأن لغة الاستعلاء والتحدي وإن أعجبت بعض المتلقين في لحظات الغضب، فإنها تبقى عبئًا على الشعوب وعرقلة لمسارات التعاون والتنمية. فلنختر المنطق على الانفعال، والتواضع على التكبر، والحكمة على الاندفاع. فلنختر لشعوبنا السلام والوئام، فما بني على احترام متبادل ومنطق سليم لا ينهدم.
{وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا} [الإسراء: 37].