سعدون مطلق السوارج
في عالمٍ تتشابك فيه الأزمات وتتقاطع مصالح القوى العظمى، لم تعد قوة الدولة تُقاس بقدرتها على إشعال الحروب، بل بقدرتها على إدارة الصراع والضغط الإستراتيجي دون الانزلاق إلى الفوضى. هنا تتجلى حكمة المملكة العربية السعودية ومعها دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، حيث لم تُبنَ قوتها على ردود الفعل، بل على فهم عميق لطبيعة الصراع ولحدود الانخراط فيه.
فمنذ قيام الثورة الإيرانية 1979، تبنَّت طهران نموذجًا واضحًا: تفكيك الدول المستقرة من الداخل، وخلق بيئات رخوة تسمح للنفوذ بالتمدد، وللفوضى بالاستمرار.
هذا المشروع لم يكن مجرد أدوات عسكرية، بل شبكة متكاملة من التدخلات:
• دعم الجماعات المسلحة.
• إنشاء خلايا تخريبية داخل الدول المجاورة.
• استنزاف الاقتصادات الوطنية.
• زرع الانقسامات المجتمعية والسياسية.
على مدى عقود، استمرت إيران في إستراتيجيتها الفوضوية في العراق، اليمن، لبنان، وسوريا، مستخدمة شعارات دعم فلسطين وغزة لتغطية مشروع إستراتيجي أوسع.
في المقابل، لم يدخل الخليج في لعبة التصعيد المباشر، بل حول التهديد إلى اختبار لبناء القوة الحقيقية.
تمثّل هذه القوة في ثلاثة مستويات متوازية:
1. صلابة الداخل:
• اقتصاد متين قادر على امتصاص الصدمات.
• بنية تحتية محمية ومستقرة.
• مجتمع موحد يصعب اختراقه.
2. مرونة الخارج:
• شراكات إستراتيجية متنوعة تمنح الخليج هامش حركة واسع.
• إدارة التوازنات الإقليمية والدولية دون تبعية لأي محور.
3. حسن إدارة التصعيد:
• احتواء التهديدات دون منحها فرصة التحول إلى حرب شاملة.
• جعل أي هجوم أو خلية تخريبية غير قادرة على تحقيق أثر إستراتيجي.
وهكذا، يظل الخليج بيئة صلبة لا تزدهر فيها الفوضى، وبفضل هذه الإستراتيجية، كل محاولة للنيل من استقراره تتحول إلى اختبار فشل.
وفي قلب هذه المعادلة، تظهر المملكة العربية السعودية كدولة صانعة التوازن:
• بموقعها الجغرافي المهيمن.
• بوزنها الطاقي الذي يؤثر على الاقتصاد العالمي.
• بقدرتها على إدارة الأسواق والمصالح الدولية.
لم تعد السعودية طرفًا في الصراع، بل محور يعيد ضبط الإيقاع الإقليمي، يوازن بين القوى الإقليمية والدولية، ويمنح الخليج القدرة على مواجهة أي تحدي دون الانزلاق إلى الحرب المفتوحة.
وجاءت الهجمات الإيرانية الأخيرة على دول الخليج عبر الصواريخ والطائرات المسيَّرة لتؤكد استمرار المشروع الفوضوي لطهران. لكن الصمود الخليجي، بقيادة حكيمة، يبرز على نحو واضح:
• إدارة ذكية للأزمات: منع التصعيد الكامل رغم القدرة على الرد العسكري.
• تلاحم شعبي ووطني: حماية المدنيين والمنشآت الحيوية.
• إستراتيجية مؤسسية طويلة الأمد: استقرار الدولة وعدم الانزلاق إلى الفوضى.
بهذه الحنكة، يظهر أن القوة الحقيقية ليست في إشعال الحروب، بل في إدارتها بشكل يضعف خصمك دون الانجرار إلى الخسارة.
الأزمة الحالية أظهرت حقيقة محورية: وحدة دول الخليج ليست خيارًا سياسيًا فحسب، بل هي اإستراتيجية صمود لا تنكسر.
وكل هجوم أو محاولة للتخريب تقابل بتكاتف خليجي، وتحويل الضغوط إلى أدوات تعزيز التماسك الداخلي.
فقد صار واضحًا أن المحافظين على الأمن والاستقرار في الخليج هم قادته وشعوبه الموحّدة، بينما كل من راهن على الفوضى أو استغل الانشغال بالخطر لم يعد له وجود.
وما يحدث اليوم ليس مجرد صراع إقليمي، بل اختبار للنموذجين المتناقضين:
• نموذج يعتمد على الفوضى واستنزاف الدول.
• ونموذج يعتمد على الاستقرار وإدارة الصراعات بحكمة.
وفي هذا الاختبار، يظهر واضحًا:
الفوضى لا تنتصر عند حدود الخليج… والحكمة تتحول إلى قوة وسط النار.
وهنا، تصبح المعادلة واضحة لكل من يحاول العبث: لن تكسب الحرب من خلال إشعالها، بل من خلال الصمود والإدارة الذكية التي تمنعها أصلاً من تحقيق أي أثر.
«الفوضى الإيرانية تنهار عند حدود الخليج، والحكمة تتحول إلى قوة تحمي الأرض والإنسان. في كل محاولة تخريب، يثبت الصمود ووحدة الصف والاتفاق حول القيادة الحكيمة المحنكة أن النصر لا يُكتسب بالحرب، بل بإدارة الأزمة قبل ولادتها، وبوفاء الشعب لوطنه وقيادته.»
***
- باحث في التراث الكويتي والخليجي