د. هدى منصور
تُشكّل الإيرادات النفطية العمود الفقري للمالية العامة في المملكة العربية السعودية، رغم التقدم المتسارع في مسار التنويع الاقتصادي المرتبط برؤية 2030. إلا أن طبيعة هذه الإيرادات تظل مرتبطة بدورات اقتصادية وجيوسياسية معقدة، تجعلها عرضة لتقلبات حادة وغير متوقعة.
وفي ظل البيئة الدولية الراهنة، حيث تتزايد احتمالات التصعيد في مناطق حساسة مثل مضيق هرمز- الذي تمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية - تتحول أسواق الطاقة إلى ساحة تفاعل مباشر بين الجغرافيا السياسية والاقتصاد الكلي.
وتشير التقديرات إلى أن سعر التعادل المالي للمملكة يقارب 92 دولارًا للبرميل، وهو ما يعني أن أي انحراف عن هذا المستوى، صعودًا أو هبوطًا، ينعكس مباشرة على أوضاع المالية العامة، ومن ثم، فإن جوهر التحدي لم يعد في مستوى الإيرادات النفطية بحد ذاته، بل في القدرة المؤسسية على إدارتها بكفاءة ضمن إطار مالي مرن قادر على امتصاص الصدمات وتحقيق الاستدامة.
في سياق السيناريو الأول، حيث تتصاعد المخاطر الجيوسياسية إلى مستويات قد تؤدي إلى تعطّل جزئي أو كلي لحركة النفط عبر مضيق هرمز، ترتفع أسعار النفط إلى نطاقات قد تتراوح بين 110 و150 دولارًا للبرميل، وقد تصل في سيناريوهات أكثر حدة إلى حدود 180 أو حتى 200 دولار، وفي هذه الحالة، تتحول المالية العامة إلى حالة من الفوائض الكبيرة التي تتجاوز بكثير سعر التعادل، ما يوفر سيولة مالية استثنائية للدولة. غير أن هذا الوضع، رغم إيجابيته الظاهرية، يحمل في طياته مخاطر بنيوية تتعلق بما يُعرف في الأدبيات الاقتصادية بـ»الوهم المالي»، حيث يُساء تفسير الإيرادات المؤقتة على أنها دائمة. ويقود ذلك غالبًا إلى توسع في الإنفاق الجاري، مثل الرواتب والدعم، وهو ما يُصعّب التراجع عنه لاحقًا عند انخفاض الأسعار.
وتاريخيًا، شكلت هذه الظاهرة أحد أهم مصادر الاختلالات في الاقتصادات الريعية، حيث تتحول الطفرات النفطية إلى التزامات إنفاقية طويلة الأجل بدلًا من استثمارات إنتاجية. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي في هذا السيناريو لا يكمن في تحقيق الفائض، بل في كيفية إدارته، عبر توجيهه نحو صناديق الاستقرار أو الاستثمارات طويلة الأجل التي تعزز النمو المستقبلي بدلًا من تغذية دورات إنفاقية غير مستدامة.
أما السيناريو الثاني، وهو الأكثر واقعية في ظل المعطيات الحالية، فيتسم بدرجة عالية من التقلب وعدم اليقين، حيث تتحرك أسعار النفط ضمن نطاق واسع بين 70 و100 دولار للبرميل، متأثرة بتغيرات الطلب العالمي، والسياسات النقدية، والتوترات الجيوسياسية.
وفي هذا السياق، يصبح سعر التعادل المالي البالغ نحو 92 دولارًا بمثابة خط فاصل بين الفائض والعجز، مما يجعل المالية العامة عرضة لتقلبات مستمرة.
وتشير البيانات إلى أن العجز المالي بلغ نحو 245 مليار ريال في عام 2025، مع توقع انخفاضه إلى حوالي 165 مليار ريال في عام 2026، وهو ما يعكس توجهًا نحو إدارة العجز بدلًا من القضاء عليه. ويُعد هذا التحول مفاهيميًا مهمًا، إذ لم يعد العجز يُنظر إليه كمؤشر سلبي مطلق، بل كأداة ضمن سياسة مالية توسعية موجهة تهدف إلى دعم النمو الاقتصادي، خاصة في القطاعات غير النفطية.
وفي هذا الإطار، يلعب التخطيط المالي متوسط المدى دورًا حاسمًا في تحقيق الاستقرار، حيث يسمح بفصل قرارات الإنفاق عن التقلبات قصيرة الأجل في الإيرادات، كما أن وجود صناديق سيادية قوية، إلى جانب استخدام أدوات التحوط المالي، يعزز من قدرة الدولة على امتصاص الصدمات وتوزيع أثرها عبر الزمن، بما يحد من التقلبات الحادة في النشاط الاقتصادي.
وفي السيناريو الثالث، حيث تعود أسعار النفط إلى مستوياتها التوازنية طويلة الأجل بين 65 و75 دولارًا للبرميل، أي دون مستوى سعر التعادل المالي، تدخل المالية العامة مرحلة من الضغوط المستمرة التي تتطلب إعادة هيكلة عميقة، وفي هذا السياق، لا يكفي التركيز على تعويض الإيرادات النفطية، بل يصبح من الضروري إعادة تعريف دور المالية العامة نفسها، من مجرد أداة لإعادة توزيع الريع إلى أداة لتحفيز الإنتاجية والنمو. ويكتسب وضع الدين العام أهمية خاصة هنا، حيث يبلغ نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى لا يزال ضمن الحدود الآمنة دوليًا، ويوفر هامشًا ماليًا يسمح بتمويل العجز دون مخاطر كبيرة على الاستدامة. غير أن الاعتماد على الدين كحل دائم يحمل مخاطر تراكمية، خاصة إذا لم يقترن بتحسين كفاءة الإنفاق وزيادة العائد الاقتصادي منه. ومن ثم، فإن التحدي في هذا السيناريو يتمثل في تحقيق توازن دقيق بين الاستدامة المالية والنمو الاقتصادي، من خلال إعادة توجيه الإنفاق نحو القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، وتعزيز دور القطاع الخاص كمحرك رئيسي للنمو.
وفي ضوء هذه السيناريوهات المتباينة، يتضح أن المالية العامة في المملكة قد دخلت مرحلة جديدة تتجاوز منطق «إدارة الإيرادات» إلى منطق «إدارة المخاطر». فالتقلبات النفطية لم تعد مجرد ظاهرة اقتصادية، بل أصبحت انعكاسًا لتفاعلات جيوسياسية معقدة، تتطلب استجابة مؤسسية متقدمة.
ويبرز هنا دور الإصلاحات المالية، وعلى رأسها التحول إلى موازنة البرامج والأداء، في تعزيز كفاءة تخصيص الموارد وربط الإنفاق بالنتائج. كما أن تبني أسعار مرجعية محافظة للنفط في إعداد الميزانية، أقل من سعر التعادل، يسهم في تقليل الحساسية للتقلبات السعرية. إضافة إلى ذلك، فإن الحفاظ على مستويات دين معتدلة، وتفعيل دور الصناديق السيادية كأدوات استقرار، يعزز من مرونة المالية العامة. وفي هذا السياق، تصبح الموازنة العامة أداة استراتيجية لإدارة الاقتصاد الكلي، وليست مجرد وثيقة مالية، بما يمكن المملكة من تحويل تقلبات النفط من مصدر عدم استقرار إلى رافعة لتحقيق التحول الاقتصادي المستدام.
***
- أستاذ اقتصاد.. متخصص بتحليل البيانات والابتكار الاقتصادي