د. عيسى محمد العميري
تفرض التطورات المتسارعة التي يشهدها الخليج العربي في ظل الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لفترة ما بعد الحرب التي نسأل الله عزوجل أن تنتهي بأسرع وقت، وبأقل الخسائر... تفرض واقعاً جديداً لا يمكن التعامل معه بذات الأدوات والسياسات القديمة.
فالأزمات الكبرى لا تنتهي بانتهاء المواجهات العسكرية فحسب، بل تترك وراءها دروساً عميقة تستوجب المراجعة وإعادة صياغة الرؤية المستقبلية على أسس أكثر صلابة وواقعية. هذا ولقد كشفت هذه الحرب عن هشاشة بعض المسارات الحيوية، وفي مقدمتها مسارات تصدير النفط، التي تعد شريان الحياة لاقتصادات دول الخليج.
إن الاعتماد على ممرات محدودة، مثل مضيق هرمز، بات يشكل تحدياً استراتيجياً لا يمكن تجاهله، خاصة في ظل التوترات المتكررة التي تهدد بإغلاقه أو تعطيل الملاحة فيه.
ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة لإعادة النظر في آليات تصدير النفط، والعمل على تنويع المسارات بشكل يضمن استمرارية التدفق النفطي تحت مختلف الظروف.
وفي هذا السياق، تلوح في الأفق أهمية المشاريع البديلة التي طرحتها المملكة العربية السعودية، مثل التوسع في خطوط الأنابيب التي تنقل النفط بعيداً عن مناطق التوتر. ويعيد ذلك إلى الأذهان تجربة «التابلاين» التاريخية، التي شكلت في وقتها نموذجاً استراتيجياً لنقل النفط عبر مسارات برية آمنة نسبياً.
إن إحياء مثل هذه الأفكار، وتطويرها بما يتناسب مع التقنيات الحديثة، يمكن أن يمثل خطوة محورية نحو تعزيز أمن الطاقة في المنطقة. وأيضاً لا يقتصر الأمر على تنويع مسارات التصدير فحسب، بل يمتد إلى ضرورة التفكير في سياسات إنتاج وتخزين أكثر مرونة. فمضاعفة الإنتاج في فترات الاستقرار، والتوسع في التصدير المسبق، قد يسهمان في تقليل أثر أي انقطاع مفاجئ في الإمدادات. كما أن تخزين النفط خارج منطقة الخليج والشرق الأوسط، عبر شراكات دولية أو استثمارات في منشآت تخزين عالمية، يعد خياراً استراتيجياً يتيح لدول الخليج الحفاظ على حضورها في الأسواق العالمية حتى في أوقات الأزمات.
كما إن المرحلة المقبلة تتطلب أيضاً تغييراً في النظرة العامة إلى مفهوم الأمن، بحيث لا يقتصر على الجوانب العسكرية، بل يشمل الأمن الاقتصادي والطاقة والبنية التحتية. فالهجمات التي طالت منشآت حيوية خلال هذه الحرب أكدت أن استهداف الاقتصاد قد يكون بنفس خطورة استهداف الجيوش، وهو ما يستدعي تعزيز الحماية لهذه المنشآت وتطوير أنظمة استجابة سريعة وفعالة. كما أن إعادة صياغة السياسات لا بد أن تشمل تعزيز التعاون الخليجي المشترك، وتوحيد الجهود في مواجهة التحديات الإقليمية.
فالتحديات التي برزت خلال هذه الأزمة لم تعد شأناً داخلياً لكل دولة على حدة، بل أصبحت قضية أمن جماعي تتطلب تنسيقاً عالياً واستراتيجيات موحدة. وفي خضم هذه التحولات، تبرز أهمية الاستثمار في الابتكار والتقنيات الحديثة، سواء في مجال الطاقة أو الأمن أو النقل، لضمان القدرة على التكيف مع عالم سريع التغير؛ فالدول التي تستشرف المستقبل وتستعد له هي الأقدر على تجاوز الأزمات وتحويل التحديات إلى فرص.
اللهم احفظ خليجنا من كل شر يحاك له، واحفظه آمناً مطمئناً. والله الموفق والحافظ.
***
- كاتب كويتي