فائز بن سلمان الحمدي
في زمنٍ لم يعد فيه للظلال متّسع، ولا للأقنعة قدرة على الصمود، تقف الحقيقة اليوم عاريةً كما لم تقف من قبل، صارخةً بوجه كل من اعتاد الاحتماء بزخرف القول، أو التخفّي وراء عناوين الفضيلة. لم نعد إزاء مشهدٍ يقبل التأويل، ولا أمام وقائع تُقرأ من خلف ستار، بل أمام حقيقةٍ ماثلة، مكتوبةٍ بالنار، وممهورةٍ بصوت الصواريخ، وموقّعةٍ بخرائط الاستهداف.
لقد طال على هذه الأمة عهد التلبيس، حتى ألفت بعض العقول أن تستريح إلى الرواية أكثر مما تثق بالواقع، وأن تطمئن إلى الشعار أكثر مما تنصت إلى الحقيقة. غير أن لحظاتٍ بعينها تأتي لتقطع هذا الحبل الممتد من الوهم، فتُسقط دفعة واحدة كل التبريرات، وتدفع الإنسان دفعًا إلى مواجهة ما ظل يؤجله طويلًا: أن يرى، وأن يقرّ بما رأى. وفي قلب هذه اللحظة، لم تعد إيران تُقرأ من خلال خطابها، ولا من خلال ما ترفعه من دعوى، بل من خلال ما تطلقه من نار. فحين تتجه الصواريخ إلى أرض السعودية، وحين تصبح السماء العربية ممرًا لتهديدٍ معلن، تسقط كل الحواجز البلاغية التي طالما تسترت بها المشاريع، ويتبدد ذلك الضباب الكثيف الذي أُحسن صناعته عبر عقود من الاستثمار في العاطفة، والتلاعب بالمقدسات، واستدعاء التاريخ لتبرير الحاضر.
إن أخطر ما في هذه اللحظة ليس مجرد العدوان، بل انكشافه. أن يبلغ الفعل من الصراحة حدًا لا يترك معه مجالًا للإنكار، ولا فسحة للتأويل، ولا مهربًا لمن أراد أن يلوذ بالعموميات. هنا، لا يعود السؤال: ماذا تقصد؟ بل يصبح: ماذا تفعل؟ ولا يعود الميزان في الأقوال، بل في اتجاه الصاروخ، ومسار الطائرة، وموضع الانفجار. لقد امتلكت إيران، عبر تاريخها الحديث، قدرة لافتة على الاحتماء بالمثل العليا، والتخفي خلف شعارات كبرى، تُخاطب بها وجدان الشعوب، وتستدر بها عاطفة المقهورين، حتى لبس على كثيرين أن بين القول والفعل مسافة، وأن بين الدعوى والحقيقة فجوة لا تُردم بالكلمات. غير أن الأزمة الراهنة نزعت عن هذا كله آخر ما كان يستره. فلم تعد القضية قضية موقفٍ مُعلَن، بل فعلٍ مُشاهَد؛ ولم تعد روايةً تُروى، بل واقعًا يُعاش. وهنا تتجلى المفارقة التي تُربك الضمائر قبل العقول: كيف يمكن لإنسانٍ يرى وطنه في مرمى الاستهداف، ثم لا يزال يبحث في دفاتر الشعارات عن عذرٍ للمعتدي؟ كيف يمكن أن تُوجَّه النار إلى أرضك، ثم تُوجَّه أنتَ بالتصفيق إلى من أطلقها؟ أيُّ التباسٍ هذا الذي يجعل المرء يخاصم بداهته، ويكذّب عينه، ويستبدل الحقيقة الحاضرة بصورةٍ ذهنيةٍ قديمةٍ لم يعد لها وجود؟ إنها ليست حيرة فكرية، بل انكسار في ميزان الوعي. لأن أخطر الهزائم ليست تلك التي تقع على الأرض، بل تلك التي تقع في الإدراك، حين يعجز الإنسان عن تسمية الأشياء بأسمائها، أو يتردد في الاعتراف بما يرى، أو يختار — عن وعي — أن يسكن في الوهم بعد أن طرده الواقع. إن الأوطان ليست فكرة عابرة، ولا شعارًا يُستدعى عند الحاجة، بل هي موضع الهوية، ومأوى الأمان، وحرز الكرامة. ومن هان عليه وطنه حتى سوّغ توجيه السلاح إليه، فقد اختل في داخله ميزان الفطرة قبل أن يختل ميزان السياسة. ومن رأى الصواريخ تتجه إلى السعودية، ثم بقي أسير رواياتٍ قديمة، فقد اختار أن يُعطّل بصيرته بيده، وأن يستبدل نور الواقع بعتمة التصورات. لقد بلغ الوضوح اليوم حدًا لا يُطاق لمن اعتاد الغموض، وصار الواقع أشد صراحة من أن يُحتمل لمن بنى وعيه على المجاز. فالصاروخ لا يصبح أقل عدوانًا لأنه حمل اسمًا من التاريخ، ولا تغدو الضربة أرحم لأنها تغلّفت بشعارٍ مألوف. الحقيقة أبسط من ذلك كله: أين يتجه السلاح؟ ومن الذي يتلقاه؟ وما الذي يترتب عليه؟ وهنا ينتهي كل جدل.
إن هذه اللحظة ليست لحظة اصطفاف سياسي بقدر ما هي لحظة امتحان للوعي: أن ترى الأشياء كما هي، لا كما قيل لك عنها. أن تحاكم الأفعال، لا العناوين. أن تدرك أن القيم لا تثبت بالشعارات، بل تُختبر في المواقف. فالعدل لا يكون حيث تقع الضربة على الأبرياء، والنصرة لا تكون حيث يُستهدف الجار، والصدق لا يكون حيث يناقض الفعل القول. لقد ولى زمن الأقنعة، أو كاد، ولم يعد في الأفق متسع لمن يريد أن يتأخر عن رؤية الحقيقة. فمن أبصر اليوم ثم أنكر، فليس به عمى في العين، بل في البصيرة. ومن سمع ثم جادل، فليس به نقص علم، بل خلل موقف. ومن رأى ثم صفّق، فإنما يصفّق لأول ما قد يرتد عليه.
وفي خضم هذا كله، يبقى السؤال معلقًا في ضمير كل منصف: ماذا بقي بعد هذا الوضوح كله لمن لا يزال يصر على تكذيب عينيه؟ ماذا بقي لمن يرى وطنه في مرمى النار، ثم يفتش في ركام الشعارات عن معنى يُبرر به ما لا يُبرر؟
إنها لحظة يُعاد فيها تعريف الأشياء على بساطتها الأولى: الوطن وطن، والعدوان عدوان، والحقيقة لا تحتاج إلى وسيط لتُفهم. ومن لم يرَ اليوم، فلن تُبصره الحقيقة غدًا، ولو أشرقت له الدنيا ألف مرة، أو احترق العالم أمامه.