أ.د. يحيى بن محمد شيخ أبو الخير
تشهد الثقافة السيارة «ثقافة الصحيفة اليومية» في الوقت الراهن تحولاً منظورياً ممنهجاً من الوعاء الورقي إلى الفضاء الرقمي، ومن نخبوية المثاقفات المتقوقعة على الذات إلى فضاءات التداولات المفتوحة الأنساق ذات التأثير الثقافي البالغ الأهمية عالمياً. ونتيجة لذلك التحول تجاوزت تلك التداولات المثاقفية مجالات حدود الدال وتغلغلت في الأعماق المتعلقة بصناعة المدلول مشكلة بذلك معاني مثاقفية سيارة فريدة تتميز بالسرعة الإعلامية والعمق الفكري التفاعلي الراجع التغذية ثقافياً. ويتألف هذا النمط المثاقفي السيار في الأغلب الأعم من مجالات أدبية واقتصادية وسياسية واجتماعية وفلسفية وفنية تجريدية وتشكيلية إبداعية ناقدة ومعرفية متنوعة الغايات والأنماط، لكن لا تزال المجالات الأدبية الكلاسيكية والنقدية التحليلية والاجتماعية السياسية تحديداً من أكثر المجالات المثاقفية السيارة سيادة. ونتيجة لهذا الواقع المجالي الأبستمولوجي الآنف الذكر، فقد ازداد الاهتمام في هذا العصر بسبل الكشف عن حالات المثاقفة السيارة وتساؤلات المناهجة الثقافية ذات العلاقة التي من المؤمل أن يفرز الكشف عنها الغازا وأحاجي تتمحور حول هوية الثقافة ومثاقفية الذات. وأعتقد أن توظيف السيميائية والنقد الثقافي ومنهجية تحليل السرد الصحفي السيار هو السبيل الأمثل لرفع النقاب عن الواقع المقيس للعلاقة المتوقعة بين الهوية والذات في هذا المجال المثاقفي من ناحية وبين حالات المثاقفة وتساؤلات المناهجة الثقافية الملحة من ناحية أخرى، وهو ما سيتضح لنا في السيناريوهات التي أبسطها لاحقا في هذا المقال.
لا شك إذن أن ما تم ذكره آنفاً، يعني أن للثقافة السيارة زخما سردياً يُمَكِّنُها من إعادة تعريف نفسها وتشكيل وعيها باستمرار عبر أطياف فاعلة من حالات المثاقفة المتغيرة مكانيا وتساؤلات المناهجة المتجددة زمانيا، ولذا من البديهي أن ينحو هذا النمط الحيوي من الثقافة في هذا العصر عصر تقنيات الفضاء وغزوه، وطفرة المعلومات وثورتها، وقفزة الفكر العلمي الطبيعي والإنساني والتقني وعولمته منحى لا بد أن تلتزم فيه الثقافة السيارة بآليات الضبط المنهجي التي تربط بين حالات المثاقفة وتساؤلات المناهجة ذات العلاقة، ولعل من أهم آليات الضبط المنهجي التي من المفترض أن تلتزم بها أوعية الثقافة السيارة هي القواعد المتعلقة برصد الحقائق وتصنيفها وتبويبها وتحليلها وتفسيرها وتنميط مسارات تلاقحها الثقافي وترسيخ مركزية حالات علائق مثاقفاتها تنظيراً وتطبيقاً.
ومن الجدير بالذكر أن المنحى البديهي المنوه عنه أعلاه قد بلغ من حيث الرفعة والشهرة وتميز المقام عالمياً حد المسلمات وخاصة في بعض الصحف من مثل نيويورك تايمز وول ستريت جورنال وواشنطن بوست في أمريكا والجارديان في بريطانيا وتشاينا ديلي في الصين ويميوري شمبون في اليابان. كما بلغ هذا المنحى البديهي الحد ذاته أيضا في بعض الصحف العربية التي تصدر في لندن كالشرق الأوسط والحياة والعربي الجديد والقدس العربي، أو كالأهرام التي تصدر في مصر أو بعض الصحف التي تصدر في المملكة العربية السعودية كالجزيرة والرياض وعكاظ والوطن.
باستثناء الصحف المذكورة آنفاً وما شابهها لا تزال بعض أوعية الثقافة السيارة الصحفية التي تصدر في بعض دول العالم النامي بل وحتى في بعض الدول المتقدمة تسبح في الغالب حتى يومنا هذا في أفلاك تتموضع خارج نطاق البديهية وحديات المسلمات المشار اليها آنفا، ويرجع السبب وراء هذا التموضع في رأيي إلى معاناة تلك الصحف السيارة في المجمل من إشكاليات لافتة تتعلق بشكل مباشر بطبيعة منظوماتها المُؤَلِّفَةِ لأسئلة ثقافتها السيارة ونماذج تلاقحها المعرفي الشامل أو المنظومي المؤطر لمركزية علائقها المثاقفية شكلاً ومحتوى، كما يعود السبب وراء ذلك التموضع أيضاً إلى اقتصار جل أوعية الثقافة السيارة على المثاقفات الكلاسيكية الترددية الأنماط المتنوعة التوجهات والمشارب التي تقترن في الأغلب الأعم وبشكل ملحوظ بغياب أو بندرة المثاقفات السيارة ذات الصلة بثقافة العلوم الطبيعية الفيزيوكيميوكونية البحتة النظرية والتطبيقية والمستجدات العلمية الحديثة والبنى المنطقية للنظرية والتطبيق والتراكيب المنهجية الاستقراء - استدلالية الائتلافية المقننة اسلوبياً وتقنياً، فيندر في أغلب أوعية الثقافة السيارة الأطروحات التي ترسخ الوعي المجتمعي بالثقافة العلمية، وتبرز حقيقة الأدوار الثقافية والمثاقفية المنهجية والعلمية التي يلعبها العالم التجريبي الفيزيو كميو كوني، والطبيب الماهر، والمهندس ذي الدربة، والمخطط البارع، والمعماري ذي الخيال البديع المحلق، كما تعاني بعض أوعية الثقافة السيارة من شح في القضايا ذات الصلة مثلاً بثقافة المبرمج الحاسوبي الواعي، والجغرافي المنظومي الحصيف، والمؤرخ الأمين، والآثاري العابر للزمن، والإداري الخبير، والقانوني المستنير وغيرهم من أرباب البحث من المنظرين والتطبيقيين المهنيين التكنوقراطيين الفائقي الكفاءة أو من ذوي التخصصات الفريدة أو النادرة معرفياً كالذكاء الصناعي والحوسبة الرقمية للبيانات والسبر المتعمق لأسرار الذرة والفضاء والمادة والطاقة.
ونتيجة لما سبق بيانه آنفاً تتوارى خلف كواليس النشر في الأوعية الصحفية ذاتها قضايا محورية حيوية مهمة أخرى كثقافة الإلكترونات والجسيمات ما تحت الذرية دون المجهرية، والكهرومغناطيسيات والمعجلات النووية والمصادمات الهايدرونية والبيزوترونية، كما يندر أن نجد في تلك الأوعية قضايا تتعلق مثلاً بالأنموذج الفيزيائي المعياري الجسيمي ما تحت الذري المتعدد الأنماط إضافة إلى البوزونات والفرميونات المتنوعة الأنواع والقوى السابحة في بحور كونيات المادة والطاقة الداكنتين الفائقتين التماثل، كما يضاف إلى القضايا الغائبة عن النشر أيضاً مثاقفات حيوية أخرى تتعلق مثلا باستشعار العالم مكانيا عن بعد وحوسبة بياناته الجيومكانية ورسم خرائط الجينات البشرية وسبر أغوار الأكوان الموازية بأنجمها وثقوبها السوداء المدهشة ومجراتها المليارية وفواصل أزمنتها النسبية التكوين زمكانياً. كما تنزوي خلف كواليس بعض الصحف السيارة ثقافة ما بعد ثورة المعلومات وحوسبتها وطفرة التنظير في المجالات الذرية والكهرومغناطيسية والجاذبية والنسبية والكمومية المحلقة في السبر والاعتبار والتجريب الموغل في الخيال. كما قد تغيض في غياهب كواليس النشر السيار قضية السرد الخيطى الوتري الرقيق المُوَجِّه لمسار الشرائح الزمكانية الآنية الكونية الفريدة التي يتولد عن تأويلاتها زخم معرفي تنظيري يثري ابستمولوجيات العوالم الجسيمية ما تحت الذرية والكونية الظاهراتية العملاقة على حد سواء ويجمعها معا في مجال تنظيري استقراء - استدلالي ائتلافي واحد. وقد تشكل هذه الندرة في نهاية المطاف فجوة ثقافية من الصعب رأبها، أو قد يشكل استمرارها على هذا المنوال خسارة فادحة وعبئاً ثقافياً ومثاقفياً سياراً ثقيلاً يحجر واسع الحاضر، ويطيل مستقبل أمد شح التهطال وقلة الطل، ويعزز فرص العقر الثقافي السيار، ويرسخ حدة تأثير المَحَل المثاقفي في مختلف الأطياف الثقافية وأنماطها المثاقفية.
عند هذا الحد من المقال يجب التنويه أن مستقبل الثقافة السيارة يكون مرهوناً في اعتقادي بدرجة كفاءة دربة التفعيل الممنهج لعدد من السيناريوهات ذات الصلة بالحالات المثاقفية الفاعلة وتساؤلات المناهجة وذلك على النحو التالي:
السيناريو الأول: يتعلق هذا السيناريو بحالة علاقتية تربط ركائز الثقافة السيارة الفطرية بركائزها المكتسبة وعمليات مثاقفاتها المتنوعة الأهداف والغايات. ولعل من أهم التساؤلات التي تفرض نفسها في هذا السيناريو هي: ما شكل مستقبل الثقافة السيارة في ضوء هذا النمط من العلاقة؟ وما درجة تلك العلاقة؟ وما طبيعة اتجاهاتها المستقبلية؟ وما تأثير تلك الاتجاهات على الفكر البنيوي المثاقفي الجمعي؟
السيناريو الثاني: يتعلق هذا السيناريو بحالة علاقتية تربط بين محاور التلاقح الثقافي المعياري السيار من جانب وحالات تجدد المدخلات ذات الصلة بأنساق ذلك التلاقح ومخرجاته وحديات تغذيته الراجعة من جانب آخر. والتساؤل الذي يطرح نفسه في هذا السيناريو هو: ما شكل الثقافة السيارة في ضوء أنماط تأصيلها المحتمل وحالات تجدد أطرها المثاقفية مستقبلاً؟
السيناريو الثالث: يتعلق هذا السيناريو بحالة علاقتية تربط بين التصنيفات المنهجية للاستقراء الثقافي ومقايساته المتنوعة من ناحية والاختبارات الاستدلالية لفرضيات العدم والقرائن المثاقفية الجائزة من ناحية أخرى. والتساؤلان المهمان اللذان يطرحان في هذا السيناريو هما: ما طبيعة تلك المنهجية وما حدياتها الابتدائية؟ وما دور القرائن الاستقراء - استدلالية المثاقفية الجائزة في الكشف عن طبيعة المسيرة المستقبلية للثقافة السيارة واتجاهاتها شكلاً ومضموناً؟
السيناريو الرابع: يتعلق هذا السيناريو بحالة علاقتية تربط بين المستوى الحتمي الترددي لنظم الثقافة السيارة المحلية من ناحية والمستوى الاحتمالي لنظم المثاقفة الإقليمية والعالمية من ناحية أخرى، ولعل من أهم التساؤلات التي تفرض نفسها في هذا السيناريو هي: ما شكل مستقبل الثقافة السيارة؟ وما مضمون تلك الثقافة في ظل الانساق المستقبلية لأنماط المثاقفات المحلية والإقليمية والعالمية؟ وما دور التحولات الثقافية الحتمية والاحتمالية في الكشف عن طبيعة المساقات المستقبلية لأنماط المثاقفات المحلية العابرة للحدود؟
السناريو الخامس: يتعلق هذا السيناريو بحالة علاقتية تربط بين مبادئ المثقف ومثله الأخلاقية والإنسانية من جانب ووعي جمهوره بتلك المبادئ وقرائنها من المثل والأخلاق من جانب آخر. والتساؤلان المهمان اللذان يطرحان في هذا السيناريو هما: ما شكل مستقبل الثقافة السيارة في ضوء هذه الحالة من العلاقة الأخلاقية الاتجاه؟ وما نصيب كل من المثقف وجمهوره منها؟
وقبل أن أختم مقالتي لابد من العدالة التنويه أن ندرة الوجود المثاقفي العلمي التوجه في الصحف السيارة لا يعود سببياً في اعتقادي إلى ممانعة المسؤولين في المؤسسات الصحفية لهذا الاتجاه، وإنما قد يعود إلى عدم حرص جمهرة من المهتمين أو المختصين بالثقافة العلمية على سبر أغوار أنساقها المثاقفية عبر مختلف الأوعية السيارة. وكمثال على ترحيب المؤسسات الصحفية في بلادنا الحبيبة على نشر المثاقفات العلمية في أوعيتها المختلفة ما تفضل به الفذ الأديب الأريب والمفكر الموهوب الوفي سعادة أ. خالد المالك الموقر رئيس تحرير صحيفة الجزيرة الغراء من دعم سخي ومساندة جزلة تمثلت في فتح أبواب هذه الصحيفة الغراء على مصراعيها لي ولغيري من الكتاب المهتمين بالثقافة العلمية لنشر ما تجود به قرائحنا في هذا الوعاء المثاقفي الوطني السامق.
في الختام فإن قراءة متأنية لنظرية المعرفة المتعلقة بالثقافة السيارة تؤكد أن هذا النمط المثاقفي ليس خبراً عابراً كما يعتقد بعضهم بل مقوم أساسي من مقومات صناعة الوعي الجمعي الذي يعزز أوشاج العلاقة بين مثاقفات النخبة ونظيرتها الشعبوية. فالثقافة السيارة إذاً من هذا المنطلق هي أشبه في رأيي بمرآة تعكس حركة المجتمع في هذا العصر المثاقفي الفريد الذي تتراوح أنساقه الثقافية ابستمولوجياً بين عدد من السيناريوهات ذات العلاقة الوشيجة بحالات المثاقفة وتساؤلات المناهجة.