خالد بن عبدالرحمن الذييب
إن جمال الكتاب ينبع أحياناً من جمال لحظة القراءة، وسوؤه من سوء لحظة أخرى، وكما يقول مانغويل: «الكاتب بحاجة إلى قارئ يحيي الكلمات من جديد بما أن الأدب فن ثنائي». ففي كثير من الأحيان لا ينجح الكتاب لمجرد أن الكاتب مبدع، بل يحتاج أيضاً إلى قارئ مبدع يفهم ما بين السطور، ويتجاوز ما يمكن تجاوزه، ويربط بين العبارات. ومع أهمية أن يكتب الكاتب بأسلوب واضح بعيد عن التعقيد والتكلف، إلا أنه لابد للقارئ أن يقترب من عقل الكاتب؛ فالعلاقة بينهما ليست علاقة معلم وطالب، بل هما طرفان على نقيض؛ أحدهما قال كل ما لديه على ورق لا مجال لتعديله، والآخر يستقبل ما كُتب ولا يزال يملك فرصة للفهم أكثر. لقد مشى الكاتب إلى نقطة معينة وتوقف، والمطلوب من القارئ محاولة الاقتراب من هذه النقطة لفهم مضمون الفكرة، فالمهم أن تفهمه أولاً ثم تتخذ القرار المناسب لك بالاتفاق أو الاختلاف.
إن المشكلة تكمن عندما يُحاسب الكاتب على فهم لم يقصده أو معنى لا يرمي إليه، وهنا قد لا يُلام القارئ دائماً، فالكاتب يتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية في تمهيد الطريق لتوضيح الفكرة. إن الكاتب يشبه المخطط العمراني الذي يسهل الوصول إلى الأماكن المهمة، أما الإعجاب بها من عدمه فليست مسؤوليته؛ فمثلاً حين يقول شخص إن باريس لم تعجبه وهو لم يزر معالمها كبرج إيفل أو اللوفر بحجة أنها مدينة مزدحمة، لا يمكن القول هنا إن باريس كانت سيئة، بل نقول إن الإشكالية كانت في فقر التخطيط الذي حرمه من زيارة الأماكن المهمة، أو في عدم تمهيد المدينة بشكل ملائم. كذلك القارئ الذي ينتقد كتاباً دون فهم أفكاره الأساسية، فهو هنا ربما لم يمشِ مع خارطة الطريق التي رسمها الكاتب، أو أن الكاتب لم يرسم خارطة واضحة تساعد القارئ على الوصول. العلاقة الثنائية ليست مسؤولية طرف دون آخر، ولكنها مسؤولية طرفين.
أخيراً ...
الإعجاب بالأماكن أو الأفكار ليس ملزماً، ولكن المهم قبل الحكم على الأماكن أن تزورها، وقبل الحكم على الأفكار.. أن تفهمها!
ما بعد أخيراً...
عندما يخرج النص للضوء يصبح مثل مدينة لا تكتمل حيويتها إلا بوعي الساكنين فيها وقدرتهم على اكتشاف مساراتها.