سارة الشهري
لا تخلو الأخبار اليومية التي نتتبعها لمعرفة آخر المستجدات في الحرب والأزمة في المنطقة عن الحديث عن الطائرات بدون طيار (الدرونز)، إذ إن لها تأثيراً قوياً في الحروب والاستخدامات العسكرية، فالمشاهد التي تابعناها مؤخراً في النزاعات، وما أظهرته هذه التقنية من دقة وقدرة على الوصول إلى أهداف بعيدة، كشفت جانباً آخر لا يقل أهمية وهو قوة هذه الأداة في نقل الصورة. وإذا كانت الدرونز قد غيَّرت موازين المعارك، فإنها أيضاً أحدثت تحولاً عميقاً في ميدان الصحافة، لتظهر ما يُعرف اليوم بـ(صحافة الدرونز) كواحدة من أبرز أدوات الإعلام الحديث.
بدأت ملامح صحافة الدرونز بالظهور في أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، تحديداً بعد عام 2010، مع انتشار الطائرات الصغيرة منخفضة التكلفة نسبياً وسهلة التشغيل.
في البداية، استخدمت بشكل محدود من قبل صحفيين مستقلين وهواة، لكن سرعان ما أدركت المؤسسات الإعلامية الكبرى إمكاناتها الهائلة، فبدأت بتبنيها وتطوير استخدامها ضمن غرف الأخبار.
وتكمن أهمية الدرونز في قدرتها على الوصول إلى أماكن يصعب أو يستحيل الوصول إليها بالوسائل التقليدية.
في مناطق النزاعات، الكوارث الطبيعية، أو المواقع الخطرة، وتوفر الدرونز وسيلة آمنة للصحفيين لنقل الصورة دون تعريض حياتهم للخطر. كما أنها تمنح زوايا تصوير فريدة من الجو، تضيف بُعداً بصرياً جديداً يعزز من قوة القصة الصحفية ويجذب الجمهور.
ومن أبرز استخدامات صحافة الدرونز تغطية الكوارث مثل الفيضانات والزلازل، حيث يمكن للطائرة أن تحلق فوق المناطق المتضررة وتقدم صوراً شاملة لحجم الدمار.
كذلك تُستخدم في تغطية الاحتجاجات والمظاهرات، مما يتيح رؤية أوسع لحجم الحشود وتنظيمها.
وفي الصحافة البيئية، تساعد الدرونز في توثيق التغيرات المناخية، مثل ذوبان الجليد أو إزالة الغابات، بطريقة دقيقة ومؤثرة.
ولا يقتصر دور الدرونز على التصوير فقط، بل أصبح أداة لجمع البيانات أيضاً.
بعض الطائرات مزودة بأجهزة استشعار يمكنها قياس التلوث أو رصد التغيرات البيئية، ما يفتح آفاقاً جديدة للصحافة الاستقصائية المبنية على البيانات.
لكن، ورغم هذه المزايا، تطرح صحافة الدرونز تحديات أخلاقية وقانونية مهمة.
من أبرزها مسألة الخصوصية، حيث قد تُستخدم الطائرات لتصوير أشخاص أو أماكن دون إذن.
كما تختلف القوانين المنظمة لاستخدام الدرونز من دولة لأخرى، مما يفرض على الصحفيين الالتزام بإجراءات صارمة للحصول على التصاريح اللازمة.
وهناك أيضاً مخاوف تتعلق بسلامة الطيران، خاصة في المناطق الحضرية أو القريبة من المطارات.
إضافة إلى ذلك، تثير صحافة الدرونز نقاشاً حول مصداقية الصورة.
فمع سهولة التلاعب بالمحتوى الرقمي، يصبح من الضروري التأكد من صحة المواد المصورة وعدم إخراجها من سياقها، حتى لا تتحول الأداة إلى وسيلة للتضليل بدلاً من نقل الحقيقة.
في المقابل، ساهمت الدرونز في تعزيز الشفافية، خاصة في البيئات التي يصعب فيها الوصول إلى المعلومات.
فهي تمنح الصحفيين القدرة على كشف ما يحدث خلف الحواجز، سواء كانت طبيعية أو سياسية، وتدعم دور الإعلام كسلطة رقابية.
ومع استمرار تطور هذه التكنولوجيا، من المتوقع أن يتوسع استخدامها في المستقبل بشكل أكبر، خاصة مع إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي قد تساعد في تحليل الصور والبيانات بشكل أسرع وأكثر دقة.
وقد نشهد قريباً غرف أخبار تعتمد بشكل كبير على الدرونز كجزء أساسي من أدواتها اليومية.
في النهاية، يمكن القول إن صحافة الدرونز ليست مجرد أداة تقنية، بل هي تحول حقيقي في طريقة فهمنا ونقلنا للأحداث.
إنها تمنح الصحفي (عيناً في السماء)، قادرة على كشف التفاصيل الكبيرة والصغيرة، وتعيد تعريف العلاقة بين الخبر والصورة والجمهور.
وبين الفرص الكبيرة والتحديات المعقدة، يبقى الرهان على الاستخدام المسؤول الذي يخدم الحقيقة أولاً وأخيراً.