صالح الشادي
ليس غريباً أن نجد دولاً وكيانات تعيش في حالة من الانفصام الحاد بين الواقع المتردي والحضور الإعلامي المكثف. فهناك بلدان تمتلك مقومات طبيعية وبشرية هائلة، لكنها تظل أسيرة دائرة مفرغة من الفقر والفساد، بينما تغرق العالم بسيل من البيانات الصحفية والتصريحات الرنانة التي تحاول تلميع صورة لا تخدع أحداً.
عندما نتحدث عن هذه الدول، لا نقصد حالات فردية من الفساد، بل منظومة متكاملة تمتد جذورها في كل مفاصل الدولة. مؤسسات احتكرتها فئات نافذة، ووزارات تحولت إلى إقطاعيات عائلية أو حزبية، واقتصاد يُدار وفق مصالح ضيقة لا ترى أبعد من مكاسب اللحظة. هذه ليست أوصافاً مبالغاً فيها، بل هي خلاصة عقود من الممارسة التي أثبتت أن الفساد في هذه الكيانات لم يعد استثناءً، بل أصبح أسلوب حكم.
ربما الأكثر إيلاماً في قصة هذه الدول هو ذلك التناقض الذي يحير العقل: أرض غنية بالثروات، موقع إستراتيجي متميز، موارد زراعية ومعدنية وسياحية يمكنها أن تصنع نهضة في زمن قياسي، لكنها تظل عاجزة عن تحقيق الاكتفاء الذاتي. ولعقود طويلة، ظلت هذه الدول تراوح مكانها، تنتظر القروض والمساعدات، وكأنها محكومة بتابعيتها للخارج في كل كبيرة وصغيرة. إن غياب المشروعات الوطنية الكبرى، وضعف الصناعة، وهشاشة البنية التحتية، كلها ليست نتاج نقص في الإمكانات، بل هي نتاج إرادة مفقودة أو مسروقة. فحين تتحول مؤسسات الدولة إلى أدوات للنهب المنظم، يصبح أي مشروع وطني تهديداً لمصالح الناهبين. من أخطر ما يميز هذه النماذج هو تحول طلب الدعم إلى «فلسفة» وسلوك مجتمعي متأصل. فبدلاً من أن يُنظر إلى المساعدات الدولية كحلول مؤقتة أو أدوات للتعاون من أجل التنمية، تتحول إلى «حق مكتسب» و»واجب» على الدول الأخرى. وهذا السلوك يقترن غالباً بحالة من الجحود والنكران، يصل إلى حد اتهام المانحين بالسعي لتحقيق أجندات خفية، فقط لإلهاء الشعوب عن السؤال الحقيقي: لماذا لا تنتجون بأنفسكم؟ هذه الثقافة -إن صح التعبير- ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج سياسات متعمدة لتربية المجتمعات على العجز والتواكل، لتبقى تابعة وخاضعة، ولتظل فئات النفوذ هي الوسيط الوحيد بين المواطن والخارج.
لم يعد بإمكان هذه الكيانات الاستمرار في لعبة التضليل. فانفتاح وسائل الإعلام وثورة المعلومات جعلت من المستحيل حجب الحقيقة أو تغليفها بأقنعة براقة. الشعوب باتت ترى ما يجري بعيونها، وتقارن بين خطابات الحكام الرنانة وواقعها المرير. وأصبح العالم كله يدرك طبيعة هذه الأنظمة، ولم تعد أساليب المدح والتمجيد المأجورة قادرة على خلق انطباعات مزيفة. الصورة الحقيقية لهذه الدول باتت مكشوفة: مؤسسات فاسدة، فقر متفشٍ، خدمة عامة منعدمة، وهدر للموارد يصل إلى مستويات خيالية. وكل ذلك تحت غطاء إعلامي صاخب يحاول إقناعنا بأن كل شيء على ما يرام.
الحقيقة الأهم التي يجب أن تُقال بلا مواربة: لن يستمر هذا الوضع إلى الأبد. فالتاريخ لا يرحم الأنظمة الفاسدة، والمجتمعات لا تبقى مغيبة إلى الأبد. ما نراه من تحولات في الوعي الشعبي، وانتشار لثقافة المساءلة، وتنامٍ لرفض الواقع المفروض، كلها مؤشرات على أن نهاية هذه النماذج الطفيلية باتت أقرب مما تتصور. إن خلاص هذه الدول لا يمكن أن يأتي من الخارج، ولا من وعود المانحين، ولا من قروض تزيدها استدانة وهواناً. خلاصها الحقيقي يكمن في شعوبها، وهذه الشعوب قادرة -إذا امتلكت الإرادة والوعي- على تصحيح المسار. لديها القدرة على استبعاد الحكومات الفاسدة، وتفكيك المؤسسات التي تحولت إلى أدوات للنهب، وطرد الأحزاب المخادعة التي علقتها على أوهام لن تتحقق. الطريق لن يكون سهلاً، لكنه ممكن. فهو يبدأ بوعي لا يقبل التضليل، ويرفض أن يكون رهينة لأصوات إعلامية صاخبة تهدف إلى إبقائه غارقاً في الوهم.
لا يبقى الباطل وإن طال أمده، والفساد مهما استحكمت جذوره يظل قابلاً للاجتثاث. الأمم لا تموت بفقر مواردها، لكنها تموت بفساد نخبها وهشاشة وعي شعوبها. لقد حان الوقت لتتوقف هذه الدول عن انتظار المنقذ من الخارج، وأن تبدأ رحلة التغيير الحقيقي من الداخل، بقيادة شعوبها التي تدفع الثمن الأكبر، والتي تستحق أن ترى مستقبلاً يليق بإمكاناتها وتاريخها.