عبدالمحسن بن علي المطلق
ما لا يصح العبث به، واحد- يقال لأي مُستخفّ بسلاسة المجتمع، بالأخص ما فيه من دعة، وخير والحمد لله، ففي عدد (الجمعة - السبت) 9 من شوال ومن مادة موجزة لفتت بها كاتبتها «سحر عبدالمجيد» في العنوان {وعينا السعودي يمطرنا أمناً}.. لأقول لكم أني قضيت وفي فترات متقطعة بعضها طال شيء قليلاً.. في خارج المملكة، ووالله ما عرفت نعمة الأمن، فضلاً عن «حميمية» المجتمع.. ودنيانا الجميلة إلا بعد تجربة هناك، وهذا ما ذكّرني من ملمح نظمه المتنبي بعجز بيت:
وَبِضِدِّها تَتَبَيَّنُ الأَشياءُ
ومن قبل قرّب الفاروق رضي الله عنه عن سنة (التدرّج): (إنما تنقض عرى الإسلام..) إلى أن قال: (إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية..)، وحين قيل لنعيم بن حماد وهو شيخ البخاري رحمهما الله: إنك شديد على الجهمية، قال: (لأني كنت منهم)!، بالتأكيد يقصد لا يحدّثك مثل خبير.
فالإنسان مهما قلت له.. فمحاكته للشيء يكون تأثيره عليه أكبر من وجهة سلوكه، أو تصرّفه، بل لا غرابة إن بدر منّا شيء ينقص تقويمه التجربة، لأننا أبناء ذاك الذي حُذّر من الشيطان ولم يرعوي كي ينفلت من مصائده إلا حين وقع باحداها، كما في سورة طه {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى} (120)، {فَأَكَلَا مِنْهَا..}!، وقد قيل من الخلاصات اشتقاقاً من هذه التجربة ما لا يخفى، من مثل (تأتي على الإنسان مرحلة «متأخرة» من النضج ليُنزل الأمور منازلها)، فـ(آدم) عليه السلام بعد ما أكل من الشجرة وشاهد العاقبة أمسى قاسي العود - مع الشيطان -.. مجرّباً.
نعم وأنعم بمن عرف مقدار الشيء دون أن يجرّبه (.. ثقةً بقائله)، فضلاً ألا سمح الله يغشاه طارئ ما يعرف به ما كان من قبل به يرتع من خير!، ولا نبعد..
فالذي يسأل المريض (مثلاً) ما غاية ما تتمناه؟، لا يتردد بالقول: (أن يعود لعودي ما كان عليه سلفاً)، ف.. يلاحظ أنه بهذه الحالة تناسى كل الأماني، وحتى المتجذرات داخله.. مقابل فقط أن يفوز بالصحة، لكن -وهذا استرسال- تجده حال ما تعود إليه عاد كحليمة! المشهور قصتها في تراثنا، إذ ما يلبث ويتغافل ما مرّ به.. لاهثاً خلف تحقيق الأماني التي غابت عن ألقه ابّان مرضه.. وهذا مصداق لحديث صح عند البخاري رحمه الله: (نعمتانِ مغبونٌ فيهما كثيرٌ منَ النَّاسِ الصِّحَّةُ والفراغُ)، وصدق الحق فحين أراد تعريف قريش بالائه الجسيمة ومننه العظيمة عليهم وما ينعمون به من بين أُمم من حولهم.. بينها من يتخطّف، في تذكيرٍ ولو في الإقرار لمسديها سبحانه {الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} (4) قريش، وكم للأسف ممن يعبث إما بالصحة من خلال الاستهتار بالاغذية وتواريخ صلاحيتها، فيسوّقها لاشباع اطماعه، فهو - للعلم- وذاك الذي يخلخل بالأمن من خلال بث ما يقلق.. دون التحرّز على الأقل من صدق ما ينقله هما بالشنآن سواء!
فالأخير حتى لو كان صادقا فحسبه ما صح عند أبي داود رحمه الله من حديث: (إذا قال الرجلُ: هلك الناسُ فهو أهلَكُهم)، وكأنه تسبب بجلب الهلاك.
فنجد ديننا يعيد تنبيها للمربع الأول.. في أولئكم مرضى القلوب الذين تحسب أحدهم يتشفى بالأمّة (وهو لا يدري).. من خلال تخففه.. آن شئت ولن تتأثم فقلت
(استخفافه) بنقل لبعض ما يزعزع، والحديث الجليل ما صح عند الألباني رحمه الله.. قد قرّع هذه الفئة (.. وإن من الناسِ مفاتيحُ للشرّ)، فبربكم من يريد لذاته أن يكون من تلكم الزمرة؟!، عدا ما يكفي أولئك من إثمٍ ومأثماً- أيضاً- حديث ينهر (كَفَى بالمرءِ كذِبًا أن يحدِّثَ بِكُلِّ ما سمِعَ) رواه مسلم رحمه الله.
إذ بالتأكيد أن من بين ما سمع (قد) يكون حقاً، لكنه اختلط بكثير من المبالغات والتكبير بوضعه تحت مجهر الرغبات التي بداخله!، لا أقول والحدث بالفعل صغير!، أو لو دققت به لألفيته مما لا يُأبه به، والدليل الظاهر الشاهر/ كم من حدثٍ (قد وقع بالفعل) لكن لأنه لم يتداول قد انضوى، وبفضل الله لسبيله مضى، وكأن لم يكن أقصد (لم يؤثّر)، فتتذكر لمثله ما قيل في لحسة الأصبع من إناء العسل.. إن هي إلا أقل من دقيقة وقد اختفى كل الأثر، وهكذا الشأن يؤول مع كل ما يُغفل عنه.
أقول بهذه تأكيد حتى لو كان ما حدث ذا أهمية، لكنه لم يصدر عن قنوات رسمية ليحتاط منه العامة (.. كما تفعل الإنذارات) والتي تُطلق عبر أجهزة وُضعت لهذه المهام، وأما ما سوى ذلك، فكفى وألف كفى..