حسن بن مريّع
المعرفة التي لا تتحول إلى فعل هي حمل ثقيل على كاهل صاحبها. فالعقل المزدحم بالمعلومات، والقلب الخالي من الإرادة؛ يشبهان تماماً تلك النعامة التي لا تطير، رغم جناحيها الكبيرين، ووجودها ضمن تصنيف الطيور.. إلا أنها تفتقر إلى القدرة على التحليق ومواجهة الريح.
المثقف في جوهره الأصيل ليس مجرد مخزن للبيانات؛ بل هو الإنسان الذي آمن بفكرة وقرر أن يحياها بكل جوارحه؛ محولا إياها من مجرد حبر على ورق إلى سلوك يومي ينفع به نفسه ومن يحيط به. ولكن يبرز في واقعنا نموذج يثير الكثير من التساؤلات؛ وهو ما يمكن تسميته بحارس الأوراق؛ ذاك الشخص الذي اختار أن يكتفي بحماية النصوص وتجميع المعلومات؛ منسحبا من ميدان التأثير ليكون مجرد متفرج صامت على مجريات الحياة. هذا الوجود السلبي ليس ناتجا عن عوائق مادية؛ بل هو قرار داخلي نابع من فجوة متسعة بين ما نحمله من فكر؛ وما نمارسه في الواقع.
يعاني حارس الأوراق مما يسمى بوهم الإنجاز؛ حيث يخدعه عقله بالشعور بالرضا لمجرد أنه قرأ كتابا أو خزن معلومة؛ ظانا أن امتلاك المعرفة هو ذاته تحقيق الغاية منها. وفي عصرنا الرقمي؛ نرى هذا الحارس يجمع آلاف المقالات والروابط في هاتفه؛ يكدسها كمن يكنز المال، دون أن يغير ذلك في سلوكه شيئا؛ لأنه نسي أن القوة الحقيقية تكمن في الجرأة على تحويل التفكير إلى خطوات عملية بسيطة تخدم صاحبها ومجتمعه. إن السبب الخفي وراء بقاء حارس الأوراق في مكانه هو الخوف من الخطأ. ففي الكتب تكون الحلول مثالية ونظيفة؛ أما في الواقع؛ فإن العمل يتطلب مجهوداً قد يتعرض فيه المرء للفشل أو النقد.
لذا يفضل البقاء في برجه العاجي؛ مستعلياً بمعرفته على الذين يعملون ولا يعلمون. إنه يرى نفسه أرفع من الانخراط في مشكلات الحياة اليومية؛ كمن يقضي عمره يدرس علوم البحار وفنون النجاة؛ وحين سقط في النهر بدأ يستذكر القوانين الفيزيائية للطفو بدلاً من أن يحرك ذراعيه؛ فغرق وهو يملك كل معلومات النجاة؛ لكنه افتقر إلى فعل السباحة. ويشبه ذلك حال من اشترى من بذور أندر الزهور؛ وبدلاً من أن يغرسها في التربة ليشم عطرها؛ ظل يقلب صورها في الكتب والمواقع متباهيا باقتنائها؛ حتى أكلها السوس. تظهر مأساة هذا الحارس حين نراه يقضي وقته غارقا بين صفحات الكتب التي تتحدث عن مكارم الأخلاق؛ وبينما هو مستغرق في قراءة فصل عن مساعدة الضعفاء يسمع صوت استغاثة من جار أو يشاهد تعثراً لعابر في الطريق؛ وبدلاً من النهوض لتقديم المساعدة تراه يعود لمواصلة القراءة ببرود؛ وكأن الدور الإنساني ينتهي عند حدود الفهم.
إن الثقافة الحقيقية هي موقف أخلاقي بامتياز؛ وإذا لم تكن الكلمة قادرة على إصلاح خطأ أو تقديم يد العون؛ فإنها تظل مجرد عبارات لا روح فيها. لنتأمل قصة ذلك الكاتب الذي وجد حجرا كبيرا يعيق الناس في الطريق؛ فجلس بجانبه يكتب مقالاً طويلاً عن أهمية نظافة الطرق وحق المارة؛ والناس من حوله يتعثرون ويشتكون من وعورة الدرب. حتى جاء رجل بسيط لا يعرف حتى القراءة؛ فدفع الحجر وأزاحه عن الطريق ومضى بصمت! لقد كان فعل هذا أبلغ من كل الكلمات التي كتبت؛ لأن الحقيقة تكمن في الأثر لا في التوصيف.
التخلي عن دور حارس الأوراق يبدأ بقرار فردي شجاع؛ وهو كسر حاجز الخوف والبدء بالخطوة الصغيرة. لا نحتاج دائما لبطولات خارقة؛ بل نحتاج لخطوات بسيطة بصيره. إن المعرفة أمانة في عنق صاحبها؛ والتفريط فيها هو أسهل الطرق هرباً من ألم المحاولة. إن قيمة الفكرة تظهر فقط عندما نمشي بها في الأسواق؛ ونصافح بها آلام الناس؛ ونزرع بها الأمل في القلوب الظامئة.
الفعل هو النبض الذي يمنح الحياة معناها الحقيقي. والتحول من حارس للأوراق إلى صانع للواقع؛ هو قمة قيمة الهوية الإنسانية.